لسنا بخير

بقلم / د. محمد العليمي

من الذي قرر أن عبارة “أنا بخير” يجب أن تكون الرد الرسمي على كل سؤال عابر عن أحوالنا؟

من الذي اخترع هذه الكذبة الأنيقة التي نرددها بلا تفكير، حتى أصبحت جزءاً من آداب الحياة اليومية؟

نقولها لا لأننا بخير فعلاً ، بل لأن الحقيقة مرهقة، ولأن شرح ما يحدث داخلنا يحتاج عمراً كاملاً ، لا دقيقة مجاملة عابرة.

نرددها كما يلقي الممثل جملته الأخيرة على المسرح، بينما الستار يخفي خلفه فوضى كاملة وانهياراً صامتاً لا يراه أحد.

في الظاهر تبدو الحياة مرتبة إلى حدٍّ معقول؛

وجوه تبتسم، أحاديث عادية، ضحكات في توقيتها المناسب، وصور قابلة للنشر بلا قلق.

لكن خلف هذا المشهد المنظم، تختبئ حيوات أكثر تعقيدًاً وصدقًا؛ قلوب مثقلة بجروح صغيرة تعلّمت كيف تنزف بصمت، دون أن تُحدث ضجيجاً.

يمشي بيننا أناس بملامح هادئة، بينما داخلهم حروب مؤجلة.

قلوب تتألم في صمت، وعيون تبتسم ببراعة فيما تقف الدموع خلف الجفون كجيش ينتظر أمر الانهيار.

الجميع يبدو طبيعياً … والجميع تقريباً يحمل شيئًا لا يستطيع قوله.

نعيش وسط ضجيج الحياة كأننا جزء من الحفل؛

نضحك، نجامل، ونؤدي أدوارنا بإتقان.

فالمجتمع لا يحب الاعترافات الثقيلة، ولا يمنح مساحة كافية للضعف.

يريدك قوياً، متماسكاً مبتسماً… حتى لو كنت تسقط من الداخل.

لهذا نتعلم مبكراً كيف نخفي:

نخفي الحزن تحت الانشغال، والخوف تحت الصمت، والانكسار تحت الكبرياء.

نحمل أثقالنا وحدنا، ونسير بها كأنها جزء طبيعي من أجسادنا.

نعتاد الألم حتى يصبح مألوفاً، ونتعامل مع الخسارات كأنها تفاصيل عابرة، لا جراحاً تحتاج إلى تضميد.

نقنع الآخرين أننا بخير، ثم نحاول—بعبث مرهق—أن نقنع أنفسنا أيضاً.

نتجاوز أرواحنا المتعبة كما لو كانت تخص شخصاً آخر، ونتعامل مع انكساراتنا كأن الاعتراف بها هزيمة.

لكن الحقيقة التي نخاف قولها بصوت واضح هي أننا لسنا بخير.

وربما لن نكون كذلك تماماً، ليس لأن الحياة قاسية فقط، بل لأننا تعلّمنا أن نخفي الألم بدل أن نداويه، وأن نتقن الصمت بدل أن نطلب النجاة.

ومع ذلك… نستمر.

نمارس الصبر، نتقن الابتسام، ونؤدي أدوارنا لأن العالم لا يتوقف طويلًا عند الذين يتألمون بصمت.

لكن خلف هذا كله، أرواح تتآكل ببطء؛ لأنها اعتادت أن تتحمل كل شيء وحدها… حتى نفسها.

وربما، في لحظة صدق نادرة، لا نحتاج إلى من ينقذنا بقدر ما نحتاج إلى من يسمح لنا أن نقول ببساطة:

لسنا بخير…

وهذا وحده بداية النجاة.

  • Related Posts

    رحلة جميلة

    كانت رحلة جميلة بس كانت معها مشينا لكن الخطاوي مالت سابت أثر من جمالها يمكن شئ إتكسر خيب أمالها ممكن لكن الأكيد صدقنا وقلوبنا صانت هان كل شئ وهي ما…

    فيلم فرح ..سينما نظيفه يخرجها حافظ, وهشام منصور يجبرك أن تبكي 

      يعرض الفيلم القصير فرح علي مسرح الهناجر بالاوبرا يوم السبت القادم للمخرج محمد حافظ الذي أصر علي ان يكون فيلم فرح احد افلام السينما النظيفه والتي تعيد للسينما شكلها…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *