بقلم / سبيله عبد الوهاب
جبتوني الدنيا ليه.. و محدش عايزني؟!
لم تكن هذه مجرد كلمات نطق بها لسان طفل بريء في “البدرشين” وقُفل الباب في وجهه؛ بل كانت رصاصة في قلب المجتمع، وناقوس خطر يدق فوق رؤوسنا جميعاً ليعلن أننا نعيش حقبة زمنية تجرد فيها البعض من أسمى معاني الإنسانية، حتى باتت الغابة بأحكامها ومبادئها الفطرية أكثر رحمة وعدلاً مما نراه في عالم البشر.
مشهد طفل البدرشين ليس مشهداً عابراً ينتهي بانتهاء التريند، بل هو المرآة الحقيقية التي تعكس تشوهاً عميقاً في بنية المجتمع. لقد اختلت المعايير، واهتزت القوائم التي يُبنى عليها البيت المصري، والنتيجة؟ جرائم مروعة، ونسب طلاق قياسية، وتشريد لأبناء لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا لآباء لم ينضجوا بعد.
ومن هنا، نصرخ و نقول أوقفوا الزواج في مصر
إن الزواج في مجتمعنا الحالي تحول في كثير من الأحيان من كونه رحلة إنسانية واعية إلى “منظومة آلية” أو صفقة اجتماعية . يتزوج الشاب وتتزوج الفتاة لمجرد الفكرة، أو هرباً من ضغط المجتمع، أو استجابة لنداء بيولوجي، دون أدنى وعي بالمسؤولية.
والنتيجة الكارثية هي إعادة إنتاج أنماط شخصية غير مؤهلة لمواجهة المستقبل.
نحن نرى الآن أشباه رجال وأشباه أمهات؛ أشخاصاً أنانيين لا يملكون من النضج النفسي ما يكفي لإدارة خلاف، فإذا ما واجهتهم أول عاصفة بعد الطلاق، ألقوا بأطفالهم في قارعة الطريق كأنهم مخلفات حرب، ليبدأ مسلسل الأمراض المجتمعية التي لا حصر لها، من أطفال شوارع، وجرائم عنف، واعتلالات نفسية ستدفع ثمنها أجيال قادمة.
لقد انحرفت معايير الاختيار بشكل مرعب. أصبح التقييم يُقاس بقيمة الشبكة، وتكاليف الفرح، ومحتويات قائمة المنقولات، بينما غُيبت تماماً الأسئلة الجوهرية:
* هل هذا الشخص سوي نفسياً؟
* هل تملك هذه الفتاة مهارة الاحتواء؟
* هل يدرك الطرفان أن الزواج رحلة تضحية متبادلة وليس حلبة مصارعة لإثبات السيطرة؟
عندما تبنى البيوت على القوائم المادية وتخلو من الأركان الإنسانية، يكون الانهيار حتمياً. وعندما يحدث الطلاق، تظهر الوحوش البشرية التي تتجرد من الغريزة الفطرية؛ فيتحول الأب إلى متهرب من النفقة، والأم إلى باحثة عن حياتها الجديدة، والطفل إلى الضحية التي تسحقها الأقدام.
إن الزواج في حقيقته ليس مجرد عقد مدني، بل هو ميثاق غليظ؛ كلمة إلهية تهتز لها السموات. هذا الميثاق لا يستطيع تحمله إلا من كان يحمل في قلبه العالم كله، وليس ذاته الأنانية فقط.
_ الزواج لمن لديه القدرة على التضحية وليس فقط القدرة البيولوجية على الإخصاب والإنجاب.
_ الزواج لمن يملك القدرة على الاحتواء والتحمل وقت الأزمات، وليس لمن لا يرى فيه سوى الإغراء والمتعة المؤقتة.
_ الزواج لمن يملك القدرة على العطاء النفسي والوجداني، وليس لمن يظن أن مسؤوليته تنتهي عند صرف المال.
لقد لخصت الشريعة الإسلامية فلسفة البناء الأسري في آيات وأحاديث واضحة، لكننا أخذنا منها القشور وتركنا الاساس. قال تعالى:
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
فالسكن والمودة والرحمة هي الغايات الأساسية، فإذا تحول البيت إلى ساحة قهر وطرد وإهمال، فقد الزواج شرعيته الأخلاقية.
وفي الحديث الشريف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج
والباءة هنا -كما فسرها العلماء بعمق- ليست القدرة المالية والجنسية فحسب، بل هي القدرة الشاملة القدرة النفسية، والعقلية، والتربوية على فتح بيت وإخراج ذرية سوية للمجتمع. من لا يملك هذه الباءة النفسية، فالزواج في حقه خطيئة يُعاقب عليها القانون و صرخة لتصحيح المسار
إن الدعوة إلى إيقاف الزواج قد تبدو مستحيلة التطبيق عملياً، لكنها صرخة غضب مشروعة في وجه هذا العبث. هي دعوة لإيقاف الزواج العشوائي، لإيقاف زواج الأطفال (نفسياً وإن بلغوا الثلاثين)، لإيقاف منظومة تضخ إلى المجتمع ضحايا ومشوهين.
قبل أن تبحثوا عن الذهب والأثاث، ابحثوا في ضمائر المقبلين على الزواج. علموا أولادكم أن الأبوة مسؤولية أمام الله قبل المجتمع، وأن من يقفل الباب في وجه ابنه، فقد أقفل باب رحمة الله في وجه نفسه. اتقوا الله في أولادكم..




