حين يتحدث القتلة عن حقوق الإنسان!

​بقلم: سبيله عبد الوهاب

 

​لا توجد صدمة أشد إيلاماً للمجتمع من تلك التي تأتي من فوق منبر طالما صُدِّر لنا على أنه “واحة العدالة ونصرة المستضعفين”. الواقعة الفاجعة التي هزت الرأي العام مؤخراً—والتي أقدمت فيها محامية حقوقية، ورئيسة مؤسسة نسوية، وسفيرة سابقة للعمل التطوعي، على إنهاء حياة أُمها العجوز بدم بارد وبأبشع الطرق—ليست مجرد جريمة جنائية تُنظر أمام المحاكم، بل هي زلزال فكري وأخلاقي يضع المجتمع أمام حقيقة مريرة طالما حاول البعض التغطية عليها.

​هذه الجريمة البشعة لا تسقط مجرماً عاديًا في شباك العدالة، بل تسقط أقنعة زئبقية ارتدتها شريحة من الأدعياء الذين شغلوا الشاشات والندوات لسنوات، يلقنون الناس دروساً في “استقرار الأسرة”، و”تغيير الصورة السلبية للمرأة”، و”رفع الوعي بحقوق الإنسان”.

​كيف لشخص يحمل كل هذه الألقاب البراقة، ويتصدر مشهد التوعية بـ “قانون أسرة أكثر عدالة”، ويُقدم نفسه كاستشاري لضبط العلاقات الإنسانية والزوجية، أن يمارس في الخفاء أعتى صور العنف والتوحش ضد الأقربين؟

​إنها المفارقة الصارخة التي تجعلنا نتساءل:

* ​هل كانت تلك الشعارات يوماً إيماناً حقيقياً بالقيمة الإنسانية؟

* ​أم أنها كانت مجرد “سبوبة واجهة” وأدوات للوجاهة الاجتماعية وتسلق منصات التمويل والمناصب؟

​حين تتحدث عن “ضعف ثقافة حقوق الإنسان لدى المجتمع” في الندوات، ثم تمارس في واقعك الشديد الخصوصية انتهاكاً صارخاً لحق الحياة لأمك التي تجاوزت السبعين، فأنت لا تخون نفسك فقط، بل تصفع كل مَن صدق شعاراتك. إنها ازدواجية السلوك التي تجعل الظاهر معسولاً بإنقاذ المجتمع، والباطن مفرغاً من أدنى المبادئ الأخلاقية والدينية التي تقوم عليها الأسرة الحقيقية.

 

​إن الأشد خطورة من الجريمة ذاتها هو ما تلاها من استنفار لحائط الصد الحقوقي والشبكي.

​بدلاً من أن يكون الموقف حاسماً في إدانة الفعل البشع وتعرية هذا التناقض، رأينا تحركات محمومة وتبريرات تفتقر لأدنى درجات الاحترام لعقل الجمع الاجتماعي:

​تخيل المبررات النفسية:

 

* محاولات التذرع بصدمات سابقة أو أزمات نفسية لتخفيف وطأة الجرم، وكأن الصدمات تبيح تقطيع أجساد الأمهات!

* محاولة فرض حالة من “الوصاية” وارهاب كل من يحاول تعرية هذه الهياكل الفاسدة، خوفاً على تهاوي المكتسبات والمصالح التي بُنيت على مدار سنوات.

​إن الدفاع عن الباطل في هذه الحالة ليس دفاعاً عن شخص المتهمة، بل هو دفاع عن “مافيا المصالح” التي تخشى أن ينكشف الغطاء عن زيف الخطاب المصدَّر للمجتمع، وتخشى أن يكتشف الناس أن بعض الهيئات التي تدعي حماية الأسرة والطفل، إنما تساهم بأفكارها وسلوكيات كوادرها في هدم جدران هذا البيت من الداخل.

 

​كلمة أخيرة

​المجتمعات لا تُبنى بالشعارات المستوردة، ولا بالهياكل المزيفة التي يتظاهر أصحابها بتمسكهم بالعدالة وهم أظلم الناس لأنفسهم ولأقرب الناس إليهم.

​لقد أثبتت هذه الفاجعة أن الأخلاق الحقيقية لا تتجزأ؛ فمن لا يملك الرحمة في بيته ومع أمه، لن يمنح المجتمع عدلاً ولا استقراراً، مهما حصد من ألقاب ومهما اعتلى من منصات. حان الوقت لنعيد تقييم من نتصدر بهم المشهد، ونفرز البخس من الثمين، قبل أن تصبح الشعارات الحقوقية مجرد ساتر لأبشع الجرائم.

  • Related Posts

    القانون.. رأس مال وكيل اللاعبين

    بقلم المستشار / خالد السيد  في كرة القدم الحديثة، لم يعد النجاح في مهنة وكيل اللاعبين يُقاس بعدد الصفقات التي يبرمها أو بحجم شبكة علاقاته، بل أصبح يُقاس بقدرته على…

    عيد ثورة مجيد ودوله منتصره نفخر بها

    كتبت نهى عيد الكاتبة و الباحثة فى الشئون السياسية الذكرى الخالدة ثورة 23 يوليو .. بمناسبة ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة أتقدم بخالص التهاني وأصدق الأمنيات إلى فخامة الرئيس عبدالفتاح…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *