بقلم /المهندس أحمد خالد
أمين عام أمانة الإسكان والتشييد بحزب «المصريين»
رئيس مجلس إدارة شركة إمكانورا
تتميز منازعات العمارة والتشييد بطبيعة خاصة تختلف عن كثير من المنازعات التجارية التقليدية فالمشروع الإنشائي الواحد يجمع بين المالك والمطور والمقاول والاستشاري والمصمم ومدير المشروع والمقاولين من الباطن والموردين وتتداخل مسؤولياتهم والتزاماتهم بصورة تجعل حسم النزاع بحاجة إلى فهم قانوني وفني في الوقت نفسه ومن هنا تبرز أهمية التحكيم الهندسي باعتباره أحد أكثر مجالات التحكيم تخصصًا لأنه لا يتعامل مع العقد بمعزل عن واقع المشروع بل يربط النصوص التعاقدية بالرسومات والمواصفات والبرامج الزمنية والتكلفة وما جرى فعليًا في الموقع
وقد يبدأ النزاع بتأخر في اعتماد الرسومات أو تغيير في التصميم أو أمر تغييري أو اختلاف في الكميات أو ظروف غير متوقعة بالموقع ثم تتراكم آثار الواقعة على مدة التنفيذ والتكلفة والإنتاجية حتى تتحول إلى مطالبة مالية كبيرة ومن أكثر المنازعات شيوعًا في هذا المجال التأخير وتمديد مدة التنفيذ والأعمال الإضافية وعيوب التصميم والتنفيذ وتعطل الأعمال وفقدان الإنتاجية وفروق الأسعار وغرامات التأخير والمستخلصات والاستلام والضمان وإنهاء العقود
وفي هذه المنازعات لا يكفي إثبات وقوع التأخير أو الخطأ وإنما يجب تحديد سببه والمسؤول عنه وأثره الفعلي على المشروع وعلاقة السببية بين الواقعة والضرر ولذلك تمثل البرامج الزمنية والمسار الحرج وتقارير تقدم الأعمال ومحاضر الاجتماعات والمراسلات وسجلات الموقع وأوامر التغيير والرسومات المعتمدة عناصر أساسية في الإثبات وقد يصبح تحليل التأخير Delay Analysis من أهم أدوات القضية لتحديد ما إذا كان التأخير راجعًا إلى صاحب العمل أو المقاول أو إلى أسباب متزامنة ومدى تأثير ذلك على تاريخ الإنجاز والتكلفة
أما في المشروعات المعمارية فتزداد المسألة دقة لأن التصميم ليس مجرد رؤية جمالية وإنما التزام مهني يجب أن يحقق الغرض الوظيفي وأن يكون قابلًا للتنفيذ ومتوافقًا مع المتطلبات الفنية والتنظيمية وقد تنشأ المسؤولية بسبب نقص التصميم أو تعارض الرسومات أو صعوبة تنفيذ بعض التفاصيل أو التغييرات المتكررة أو تجاوز نطاق التكليف وهنا لا يكون السؤال فقط عما إذا كان هناك خطأ فني وإنما عما إذا كان هذا الخطأ يمثل إخلالًا تعاقديًا أو مهنيًا وما إذا كان هو السبب في الضرر كما قد تتداخل حقوق الملكية الفكرية عند النزاع حول استخدام الرسومات والتصميمات والمخططات المعمارية
وتظهر الخصوصية نفسها في عقود FIDIC المستخدمة في العديد من مشروعات الإنشاءات والبنية التحتية ففهم النزاع يتطلب قراءة العقد وشروطه الخاصة والقانون الواجب التطبيق إلى جانب الإخطارات والمطالبات وقرارات المهندس والأوامر التغييرية والمستندات المثبتة للتكلفة والمدة وقد يمتلك أحد الأطراف حقًا موضوعيًا قويًا لكنه يضعف موقفه بسبب سوء إدارة المطالبة أو عدم توثيقها في الوقت المناسب ولهذا فإن إدارة العقد والمطالبات أثناء التنفيذ جزء أصيل من إدارة المخاطر القانونية للمشروع وليست مرحلة منفصلة عن النزاع
ويظل التمييز بين دور الخبير ودور المحكم أمرًا أساسيًا فالخبير الهندسي يحلل المسائل الفنية المتعلقة بالتأخير أو التصميم أو التكلفة أو العيوب ويقدم رأيه المهني وفق المستندات والمنهج الفني بينما تتولى هيئة التحكيم تقييم الأدلة وتفسير العقد وتطبيق القانون وإصدار الحكم ولذلك فإن فهم طبيعة صناعة التشييد يساعد على قراءة الأدلة الفنية بصورة صحيحة دون الخلط بين الاختصاص الفني والاختصاص القانوني
والحقيقة أن قوة قضية التحكيم تبدأ من الموقع قبل أن تبدأ أمام هيئة التحكيم فالإخطارات ومحاضر الاجتماعات وأوامر التغيير وتقارير الموقع والصور المؤرخة والبرامج الزمنية والمستخلصات وسجلات العمالة والمعدات والمراسلات قد تصبح بعد سنوات الأدلة التي تحسم مطالبة بمبالغ كبيرة ولهذا فإن التوثيق الجيد وإدارة المطالبات منذ بداية المشروع يمثلان أحد أهم عناصر حماية الحقوق
فالتحكيم الهندسي الناجح لا يقوم على القانون وحده ولا على الهندسة وحدها وإنما على التكامل بين العقد والواقعة الفنية والإثبات وعلاقة السببية والضرر والتقييم المالي للمطالبة فوجود خطأ لا يعني تلقائيًا استحقاق التعويض ووجود تأخير لا يحدد وحده المسؤول عنه ووجود ضرر لا يكفي ما لم يمكن إثبات سببه وقيمته
ومن هنا فإن التعامل الاحترافي مع منازعات العمارة والتشييد يبدأ قبل ظهور النزاع من صياغة العقد وتوزيع المخاطر وتحديد الصلاحيات وآليات التغيير والإخطار والمطالبات والتوثيق فالمشروع الكبير قد لا يخلو من الخلافات لكن الإدارة الجيدة هي التي تمنع الخلاف من التحول إلى أزمة وتحفظ الحقوق إذا أصبح التحكيم أمرًا لا مفر منه لأن المنازعة التي تبدأ بتفصيلة هندسية صغيرة في الموقع قد تنتهي بمطالبة مالية كبيرة أمام هيئة تحكيم وبين البداية والنهاية تظل جودة العقد والتوثيق والخبرة الفنية والقانونية هي التي تصنع الفارق





