كتب / علاء الشيخ
قرار «التنظيم والإدارة» رقم 22 لسنة 2019 يضع شروطًا محددة لشغل وظائف الموارد البشرية.. وبطاقة الوصف الوظيفي وقرار الندب رقم 488 لسنة 1970 يفتحان بابًا لفحص قانوني مختلف عن رواية الاتهام.
في الوقت الذي تتصاعد فيه الاتهامات الموجهة إلى الدكتورة إيناس النحاس، رئيس الإدارة المركزية للموارد البشرية بالهيئة العامة للتأمين الصحي، بشأن مؤهلاتها العلمية ومدى أحقيتها في شغل موقعها الوظيفي، تفرض المستندات والقرارات المنظمة للعمل الإداري ضرورة التوقف أمام سؤال أكثر أهمية من الاتهامات ذاتها: هل جرى تقييم موقفها وفقًا للنصوص القانونية الحاكمة، وبالاستناد إلى كامل المستندات ذات الصلة، أم أن هناك نصوصًا وقرارات لم تحظَ بالقدر الكافي من الفحص قبل إصدار الأحكام؟
الملف، في حقيقته، لا ينبغي أن يُختزل في معركة بين مؤيدين ومعارضين، ولا أن يتحول إلى محاكمة على منصات التواصل الاجتماعي؛ فالمناصب العامة تخضع للقانون، والقانون لا يُطبَّق بالانطباعات، وإنما بقراءة النصوص مجتمعة، وتحديد نطاق انطباق كل منها، وفحص المستندات التي تكشف حقيقة الوضع الوظيفي.
ومن هنا، يفتح هذا التحقيق ملف المؤهلات العلمية وشروط شغل الوظيفة، مستندًا إلى ثلاثة محاور رئيسية: قرار الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة رقم 22 لسنة 2019، وبطاقة الوصف الوظيفي المقدمة ضمن المستندات، وقرار رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتأمين الصحي رقم 488 لسنة 1970 بشأن الندب.
وهي مستندات تطرح أسئلة تستحق الإجابة، وتستوجب التمييز بين ما يثبته النص صراحة، وما يحتاج إلى مراجعة قانونية وواقعية قبل الوصول إلى نتيجة نهائية.
أولًا: قرار التنظيم والإدارة رقم 22 لسنة 2019.. ماذا تقول المادة الحادية عشرة؟
في قلب الجدل الدائر، يبرز قرار رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة رقم 22 لسنة 2019 بشأن التقسيم التنظيمي للموارد البشرية، الصادر في سياق استحداث وتطوير التقسيمات التنظيمية بالجهات الإدارية، استنادًا إلى قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1146 لسنة 2018.
وبحسب نص المادة الحادية عشرة كما ورد في المستند المقدم لهذا التحقيق، فإن شغل إحدى وظائف التقسيم التنظيمي للموارد البشرية يشترط اجتياز الاختبارات والبرامج التدريبية التي يحددها الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة بنجاح.
وهنا تبرز نقطة قانونية تستحق التدقيق.
فالنص المذكور يتناول شرطًا يتعلق بالاختبارات والبرامج التدريبية، ولا يتضمن، في عبارته المعروضة، تحديدًا مستقلًا لنوع المؤهل الجامعي المطلوب لكل وظيفة، أو نصًا صريحًا يقضي بأن يكون شاغل وظائف الموارد البشرية حاصلًا على مؤهل جامعي من تخصص بعينه.
لكن هل يعني ذلك أن المؤهل العلمي غير مطلوب؟ بالطبع لا.
إن القراءة القانونية السليمة تقتضي التمييز بين الشروط التي ينظمها هذا القرار، وبين الشروط الأخرى التي قد ترد في بطاقة الوصف الوظيفي، أو القواعد المنظمة لشغل الوظائف القيادية والإشرافية، أو القرارات واللوائح الخاصة بالهيئة.
وبالتالي، فإن الاستناد إلى المادة الحادية عشرة وحدها لإثبات عدم الأهلية بسبب التخصص العلمي، دون بيان النص الآخر الذي يفرض هذا الشرط ومدى انطباقه على الحالة، لا يكفي وحده لحسم المسألة.
وفي المقابل، فإن عدم ورود شرط التخصص في هذه المادة تحديدًا لا يمثل إعفاءً تلقائيًا من أي شروط أخرى مقررة قانونًا.
والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح هنا هو: هل استوفت الدكتورة إيناس النحاس الشروط التدريبية والاختبارات المطلوبة، وما بطاقة الوصف الوظيفي المعتمدة للوظيفة التي تشغلها تحديدًا، وما القواعد القانونية التي تحكم شغلها؟
هذه أسئلة قابلة للتحقق، وإجاباتها يجب أن تأتي من المستندات الرسمية، لا من الافتراضات.
ثانيًا: بطاقة الوصف الوظيفي.. المؤهل العالي المناسب هو معيار يستحق الفحص
من بين المستندات التي قدمت لهذا التحقيق بطاقة وصف وظيفي لرئيس الإدارة المركزية للشؤون الإدارية، تتضمن، وفقًا للبيانات الواردة بها، متطلبات تأهيل من بينها:
«مؤهل دراسي عالٍ مناسب مع خبرة واسعة في مجال العمل الإداري».
وتحمل البطاقة اعتمادًا منسوبًا إلى الدكتور علي حجازي، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتأمين الصحي آنذاك.
وتكتسب هذه العبارة أهمية عند مناقشة طبيعة المؤهل المطلوب، لأنها تتحدث عن مؤهل عالٍ مناسب وخبرة واسعة في المجال الإداري، ولا تذكر، في النص المعروض، تخصصًا جامعيًا واحدًا على سبيل الحصر.
وهنا تكمن أهمية المستند: ليس في اقتطاع عبارة منه، وإنما في إثبات صلتها المباشرة بالوظيفة محل الجدل، ثم قراءة شروطها كاملة.
ثالثًا: قرار الهيئة رقم 488 لسنة 1970.. هل يحسم الندب جانبًا من المسألة؟
يقدم الملف محورًا آخر يتعلق بقرار رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتأمين الصحي رقم 488 لسنة 1970 بشأن الندب.
وبحسب نص المادة الثانية الوارد في المستند المقدم للتحقيق، يجوز ندب العامل مؤقتًا للعمل في وظيفة أخرى في المستوى نفسه أو في درجة أعلى بدرجة واحدة، كما أجاز النص، في حالة الضرورة القصوى، الندب إلى وظيفة تعلو الوظيفة الأصلية بدرجتين.
وتضمن النص كذلك تنظيم سلطة إصدار قرار الندب، والتمييز بين الندب إلى وظيفة في المستوى نفسه والندب إلى وظيفة أعلى بدرجة أو درجتين، مع تحديد مدة الندب بسنة واحدة على الأكثر قابلة للتجديد.
وهذا النص يفتح بابًا قانونيًا مهمًا، لكنه يحتاج إلى تطبيق دقيق على الحالة الفعلية.
فإذا كانت الدكتورة إيناس النحاس تشغل الوظيفة عن طريق الندب، فإن تقييم سلامة وضعها الوظيفي يقتضي فحص قرار الندب نفسه، والوظيفة الأصلية التي تشغلها، والوظيفة المنتدبة إليها، ودرجتيهما، والسلطة التي أصدرت القرار، ومدته، وأي قرارات تجديد صدرت بشأنه.
كما يتعين التحقق من استمرار سريان القرار ومدى توافقه مع القواعد القانونية الأخرى واجبة التطبيق.
أما إذا كانت تشغل الوظيفة بطريق التعيين أو الترقية أو التكليف وفق نظام قانوني مختلف، فلا يجوز افتراض أن أحكام الندب وحدها تحسم مشروعية شغلها للمنصب.
فقرار الندب قد يكون عنصرًا حاسمًا في تقييم الوضع الوظيفي إذا انطبقت أحكامه على الحالة، لكنه لا يشكل، بمجرد وجوده، دليلًا نهائيًا على استيفاء جميع شروط الوظيفة أو انتفاء أي مخالفة.
والفارق هنا جوهري بين الاستناد إلى نص قانوني بوصفه جزءًا من منظومة القواعد المنظمة للعمل، وبين تقديمه باعتباره حكمًا نهائيًا في واقعة لم تُفحص جميع مستنداتها.
رابعًا: أين تكمن قوة الدفاع عن الدكتورة إيناس النحاس؟
إن أقوى دفاع عن أي مسؤول لا يقوم على مهاجمة منتقديه، ولا على التشكيك في نياتهم، وإنما على وضع المستندات الصحيحة أمام الرأي العام، وبيان النصوص التي تحكم الحالة، والرد على كل اتهام محدد بدليله.
إن المطالبة بمراجعة مؤهلات أي مسؤول أو التحقق من استيفائه شروط الوظيفة حق مشروع، متى استندت إلى وقائع محددة، وقدمت في إطار يحترم القانون وحق الرد.
لكن الانتقال من طرح سؤال إلى تقرير وجود مخالفة، ثم المطالبة بالإطاحة بمسؤول، يستلزم أدلة واضحة وتحقيقًا جادًا.
فليس كل اختلاف في التخصص مخالفة قانونية، وليس كل تساؤل دليلًا على عدم الأهلية، كما أن وجود شهادة علمية لا يعفي من مراجعة بقية شروط شغل الوظيفة.
والأصل أن تخضع الحالة ذاتها لمعيار قانوني واحد، دون استثناء أو انتقائية، وأن تُفحص جميع المستندات ذات الصلة قبل الوصول إلى نتيجة.
ومن ثم، فإن التعامل مع ملف الدكتورة إيناس النحاس يجب أن ينطلق من سؤال محدد: هل توجد مخالفة قانونية مثبتة في طريقة شغل الوظيفة، أم أن الاتهامات المتداولة لم تُدعّم بعد بما يكفي لحسم الأمر؟
الإجابة لا يملكها عنوان مثير، ولا منشور واسع الانتشار، وإنما تملكها المستندات الكاملة والجهات المختصة بتفسيرها وتطبيق القانون.
سادسًا: الإنصاف لا يعني منح حصانة.. بل منع الإدانة بلا دليل
لا يطلب هذا التحقيق استثناء الدكتورة إيناس النحاس من المساءلة، ولا يدعو إلى تجاهل أي مخالفة إذا ثبتت.
إنما يدعو إلى تطبيق القواعد القانونية على وقائع محددة، وإلى عدم تحويل الادعاءات إلى أحكام نهائية قبل اكتمال الفحص.
فإذا ثبت استيفاؤها شروط شغل الوظيفة، وجب أن تكون هذه النتيجة محل اعتبار، وألا تُتخذ اتهامات غير مثبتة أساسًا للنيل من وضعها الوظيفي.
وإذا كشفت مراجعة المستندات عن نقاط تحتاج إلى توضيح، وجب عرضها عليها ومنحها حق الرد، ثم نشر ما تثبته الجهات المختصة بأمانة.
هذه هي المسافة الفاصلة بين الصحافة التي تبحث عن الحقيقة، والخطاب الذي يبدأ باتهام ثم يبحث عن دليل يؤيده.
الخلاصة.. المستندات أولًا، والحكم للقانون
إن قرار الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة رقم 22 لسنة 2019، وبطاقة الوصف الوظيفي المقدمة، وقرار الهيئة العامة للتأمين الصحي رقم 488 لسنة 1970، تمثل محاور مهمة لفحص الجدل حول شروط شغل الوظيفة والوضع الوظيفي للدكتورة إيناس النحاس.
فالمناصب العامة تُحسم قواعدها بالقانون، والاتهامات تُحسم بالأدلة، والسمعة المهنية لا ينبغي أن تكون ثمنًا لجدل لم تُستكمل عناصره.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل جرى فحص جميع المستندات والقرارات الحاكمة للحالة قبل المطالبة بالإطاحة بصاحبة المنصب؟
ذلك هو السؤال الذي يستحق إجابة موثقة، وهو المعيار الذي ينبغي أن يخضع له الجميع، دون استثناء.
وللحديث بقية.







