بقلم : أحمد الشرقاوي
في توقيت بالغ الأهمية، تشهد فيه القارة الأفريقية تحولات سياسية واستراتيجية متسارعة، وتتصاعد فيه المنافسة الدولية على النفوذ والممرات البحرية والثروات الاقتصادية، جاءت التحركات المصرية الأخيرة لتؤكد أن القاهرة لا تتابع ما يجري من بعيد، بل تتحرك انطلاقاً من مسؤوليتها التاريخية ومصالحها الاستراتيجية باعتبارها إحدى الدول المحورية في القارة الأفريقية.
لقد حملت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة إلى روسيا، ومشاركته في أعمال القمة الروسية الأفريقية الثالثة بالعاصمة موسكو يومي 28 و29 أكتوبر 2026، رسائل متعددة الأبعاد، لم تقتصر على تعزيز العلاقات المصرية الروسية، وإنما امتدت لتشمل مستقبل القارة الأفريقية وأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وصولاً إلى قضية الأمن المائي المصري.
موسكو.. مصر تتحدث باسم رؤية أفريقية شاملة
لم تكن مشاركة مصر في القمة الروسية الأفريقية مجرد حضور دبلوماسي، بل جاءت لتطرح رؤية واضحة لمستقبل التعاون بين أفريقيا والقوى الدولية، تقوم على التنمية والاستثمار ونقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة، بدلاً من استمرار اعتماد الاقتصادات الأفريقية على تصدير المواد الخام.
وقد حدد الرئيس السيسي خمسة محاور رئيسية للتنمية الأفريقية، شملت الممرات الاستراتيجية والمناطق اللوجستية، وزيادة التجارة البينية، والتعاون في الطاقة والربط الكهربائي، وتحقيق الأمن المائي والغذائي، وتعزيز التعاون في الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي.
كما أكد ضرورة إصلاح المؤسسات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن، بما يمنح القارة الأفريقية التمثيل الذي يتناسب مع حجمها ومكانتها.
وهنا تتجلى أهمية الدور المصري؛ فمصر لا تنظر إلى أفريقيا باعتبارها مجرد امتداد جغرافي، بل باعتبارها شريكاً أساسياً في صناعة المستقبل.
البحر الأحمر.. رسالة مصرية لا تحتمل التأويل
لعل أبرز ما لفت الأنظار في كلمة الرئيس السيسي بموسكو كان موقفه الواضح من محاولات استغلال الأوضاع الإقليمية الهشة لعسكرة البحر الأحمر، وفرض وجود عسكري لدول غير مشاطئة له على سواحله.
وهذه الرسالة تكتسب أهمية خاصة في ظل التحركات الإثيوبية للحصول على منفذ بحري، وما صاحبها من نقاشات حول ترتيبات النفوذ والوجود العسكري في المنطقة.
ومن المهم هنا التأكيد أن مصر لا تعترض على حق إثيوبيا، باعتبارها دولة حبيسة، في الوصول إلى الموانئ لأغراض التجارة والتنمية من خلال الاتفاقات القانونية والتفاهمات مع الدول صاحبة السيادة، وإنما يتمثل الاعتراض في أي محاولة لفرض وجود عسكري أو ترتيبات تمس سيادة الدول المطلة على البحر الأحمر.
فالبحر الأحمر ليس مجالاً مفتوحاً لفرض النفوذ، ولا يجوز أن تتحول الطموحات الجغرافية والسياسية لأي دولة إلى تهديد لأمن المنطقة واستقرارها.
إن رسالة الرئيس واضحة في مضمونها: احترام سيادة الدول، وعدم فرض الأمر الواقع، ورفض تحويل الممرات البحرية الاستراتيجية إلى ساحات للتنافس العسكري.
إثيوبيا.. بين حق الوصول إلى البحر واحترام قواعد السيادة
لا يمكن فصل هذه الرسائل عن التوترات التي شهدتها منطقة القرن الأفريقي، وفي مقدمتها التحركات الإثيوبية المتعلقة بالوصول إلى البحر الأحمر.
فمن حق إثيوبيا البحث عن مصالحها الاقتصادية والتجارية، لكن ليس من حق أي دولة أن تتجاوز سيادة الدول الأخرى أو تفرض ترتيبات عسكرية من جانب واحد.
وهنا تظهر أهمية الموقف المصري الذي يجمع بين الدبلوماسية والحزم؛ فالقاهرة تؤكد أن الاستقرار الإقليمي لا يتحقق بفرض النفوذ، وإنما باحترام القانون الدولي والتفاهمات المتبادلة.
كما أن أمن البحر الأحمر يرتبط ارتباطاً مباشراً بالأمن القومي المصري، وبسلامة الملاحة الدولية، وبأهمية قناة السويس باعتبارها أحد أهم الشرايين الاقتصادية والتجارية في العالم.
الأمن المائي.. النيل ليس ساحة لفرض الأمر الواقع
وفي الملف الأكثر ارتباطاً بحياة المصريين ومستقبل أجيالهم، أعاد الرئيس السيسي التأكيد على ثوابت مصر بشأن حوكمة الأنهار العابرة للحدود، وفقاً لقواعد القانون الدولي، وفي مقدمتها عدم الإضرار والإخطار المسبق والتشاور والتوافق.
وجاءت هذه الرسالة في توقيت لا تزال فيه قضية سد النهضة الإثيوبي تمثل أحد أبرز ملفات الخلاف في حوض النيل.
فمصر لا تطالب إلا بحقها في الحياة والأمن المائي، ولا تنظر إلى مياه النيل باعتبارها ملكية منفردة، وإنما باعتبارها مورداً مشتركاً يجب أن تحكمه قواعد عادلة تحقق مصالح جميع الدول دون الإضرار بحقوق الآخرين.
إن النيل يجب أن يكون جسراً للتعاون بين شعوبه، لا أداة للضغط السياسي أو فرض سياسات الأمر الواقع.
القوة المصرية.. دبلوماسية تتحرك واستعداد يحمي
إن قراءة التحركات المصرية الأخيرة تكشف عن اعتماد القاهرة على مجموعة متكاملة من أدوات حماية الأمن القومي؛ تبدأ بالحوار السياسي والتحرك الدبلوماسي، وتمر ببناء الشراكات الإقليمية والدولية، ولا تنفصل عن امتلاك الدولة لقدرات عسكرية رادعة تحمي حدودها ومصالحها الاستراتيجية.
فالدول لا تحافظ على حقوقها بالشعارات وحدها، وإنما بالرؤية والتخطيط والقدرة على حماية مصالحها، مع إعطاء الأولوية للحلول السياسية والقانونية متى كانت متاحة.
ومصر، بما تمتلكه من موقع استراتيجي وقدرات ومؤسسات دولة، تدرك أن الحفاظ على أمنها القومي يتطلب التحرك المبكر، وعدم ترك الفراغات الاستراتيجية لقوى أخرى تسعى إلى توسيع نفوذها.
ختاماً.. مصر لا تبحث عن صراع لكنها لا تقبل المساس بحقوقها
إن الرسالة التي حملتها زيارة الرئيس السيسي إلى موسكو تتجاوز حدود العلاقات الثنائية مع روسيا، لتؤكد أن مصر حاضرة في معادلات أفريقيا والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، وأنها تتابع كل ما يمس أمنها المائي والاستراتيجي.
مصر تؤمن بالتعاون ولا تسعى إلى الصدام، وتدعم التنمية والاستقرار، لكنها في الوقت ذاته تتمسك بحقوقها وترفض المساس بسيادة الدول أو تهديد أمن المنطقة.
إنها معادلة الدولة التي تعرف قيمة السلام، وتدرك في الوقت نفسه أن السلام الحقيقي يحتاج إلى قوة تحميه، وأن الدبلوماسية الناجحة لا تعني التنازل عن الحقوق، بل تعني الدفاع عنها بالحكمة والثبات والقدرة.
تحيا مصر.. دولة تعرف قدرها، وتحمي مصالحها، وتتمسك بدورها التاريخي في أفريقيا.
أحمد الشرقاوي




