بقلم دكتوره / حنان نجيب
يُعد نمو الصادرات أحد أهم المؤشرات التي تعكس قدرة الاقتصاد على الإنتاج والمنافسة والنفاذ إلى الأسواق الخارجية، كما يمثل مصدرًا رئيسيًا لتوفير النقد الأجنبي ودعم الاستقرار الاقتصادي. لكن عند قراءة أرقام الصادرات، يظل هناك سؤال مهم لا تجيب عنه قيمتها وحدها: كم فرصة عمل مصرية ترتبط بهذه الصادرات؟ وما حجم تأثيرها في دخول الأسر وتشغيل الشباب وتحسين مستوى المعيشة؟
فقد تحقق دولة ما نموًا ملحوظًا في صادراتها، دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على زيادة مماثلة في فرص العمل، خاصة إذا كان التوسع قائمًا على صناعات كثيفة رأس المال أو التكنولوجيا. وفي المقابل، قد تحقق قطاعات أخرى قيمة تصديرية أقل، لكنها ترتبط بتشغيل أعداد أكبر من العمالة، سواء بصورة مباشرة أو من خلال الموردين وسلاسل التوريد والخدمات المرتبطة بها.
ومن هنا تبرز أهمية تطوير طريقة قراءة بيانات التجارة الخارجية، بحيث لا نكتفي بقياس قيمة الصادرات والواردات والميزان التجاري، وإنما نضيف إليها مؤشرات توضح الأثر الاقتصادي والاجتماعي للنشاط التصديري.
فالميزان التجاري، الذي يعبر عن الفرق بين قيمة الصادرات والواردات، يظل مؤشرًا أساسيًا لقياس أداء التجارة الخارجية، لكنه لا يوضح وحده حجم فرص العمل التي يدعمها النشاط التصديري، أو مدى ارتباطه بالموردين المحليين، أو حجم القيمة المضافة التي يحتفظ بها الاقتصاد الوطني.
ولذلك أقترح استحداث «مؤشر كثافة العمالة في الصادرات المصرية» (Egyptian Export Employment Intensity Index – EEII)، ليكون مؤشرًا تحليليًا مكملًا لبيانات التجارة الخارجية، يقيس عدد الوظائف المرتبطة بإنتاج الصادرات مقابل كل مليار دولار من الصادرات المصرية.
وتقوم فكرته على معادلة بسيطة: عدد الوظائف المباشرة المقدّر ارتباطها بإنتاج صادرات القطاع، مقسومًا على قيمة صادرات القطاع بالدولار، ثم يُضرب الناتج في مليار دولار.
فعلى سبيل المثال، إذا بلغت صادرات أحد القطاعات 500 مليون دولار، وكان عدد الوظائف المرتبطة بإنتاج هذه الصادرات نحو 20 ألف وظيفة، فإن المؤشر يبلغ 40 ألف وظيفة لكل مليار دولار من الصادرات. وبذلك لا نكتفي بمعرفة قيمة ما يصدره القطاع، بل نعرف أيضًا حجم العمالة المرتبطة بهذا النشاط.
ويمكن تطوير المؤشر ليشمل الوظائف غير المباشرة لدى الموردين المحليين وشركات التعبئة والتغليف والنقل والخدمات اللوجستية، باستخدام جداول المدخلات والمخرجات الاقتصادية ومنهجية معكوس ليونتيف (Leontief Inverse)، مع استبعاد المكون المستورد حتى يعكس الحساب الأثر داخل الاقتصاد المصري.
ومن المهم التمييز بين الوظائف المرتبطة بالصادرات والوظائف الجديدة التي نشأت بسبب زيادة الصادرات؛ فالمؤشر يقيس حجم العمالة المرتبطة بالنشاط التصديري، أما تحديد صافي الوظائف الجديدة الناتجة عن التوسع في التصدير فيحتاج إلى تحليل اقتصادي إضافي. كما ينبغي ألا يُستخدم المؤشر منفردًا للحكم على أفضلية القطاعات، بل يُقرأ إلى جانب الإنتاجية والقيمة المضافة المحلية ومستويات الأجور وجودة الوظائف، حتى لا نفضل الصناعات كثيفة العمالة تلقائيًا على الصناعات كثيفة التكنولوجيا ورأس المال.
وتستند الفكرة إلى منهجيات وتجارب دولية قائمة، من بينها قاعدة بيانات التجارة في الوظائف لدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، ومنهجية وزارة التجارة الأمريكية لتقدير الوظائف التي تدعمها الصادرات، فضلًا عن دراسات منظمة العمل الدولية. كما تناولت دراسات اقتصادية العلاقة بين الصادرات والتشغيل في مصر، بما يؤكد إمكانية البناء على أسس بحثية متاحة وتطويرها إلى مؤشر وطني دوري.
ويمكن البدء بتطبيق المؤشر على قطاعات مثل الصناعات الغذائية والملابس والمنسوجات والصناعات الهندسية والكيماوية، بالتنسيق بين الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ووزارات الاستثمار والتجارة الخارجية والتخطيط والعمل والجهات المعنية بالصناعة والتصدير. ويُنشر المؤشر في صورة ملحق تحليلي لبيانات التجارة الخارجية، دون أن يحل محل الميزان التجاري الرسمي.
لكن أهمية الفكرة لا تتوقف عند قياس أثر الصادرات على التشغيل، بل تمتد إلى ضرورة تحديث منظومة المؤشرات الاقتصادية التي نتابع من خلالها أداء الاقتصاد المصري.
فمع تطور أولويات الدولة وإعداد البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي 2027–2030، يصبح من المهم العمل على مراجعة وتحديث مؤشرات الأداء، بحيث تتناسب مع أهداف البرنامج ومحاوره، وتواكب التحولات الاقتصادية، ولا تقتصر على قياس معدلات النمو والاستثمار والصادرات والتضخم والبطالة، وإنما تقيس أيضًا جودة النمو ومدى انعكاسه على حياة المواطنين.
فالبرنامج يستهدف تعزيز الاستقرار والصلابة الاقتصادية، وتمكين القطاع الخاص، وزيادة الإنتاجية، وتحسين جودة الحياة. ومن ثم فإن متابعة تحقيق هذه الأهداف تحتاج إلى مؤشرات أكثر ارتباطًا بالنتائج الفعلية، وليس فقط بحجم النشاط الاقتصادي.
وفي هذا الإطار، أقترح التركيز على مجموعة محدودة من المؤشرات المكملة، يأتي في مقدمتها مؤشر نصيب المواطن من ثمار النمو، لقياس تطور الدخل الحقيقي والقوة الشرائية، ومؤشر القيمة المضافة المحلية للصادرات لقياس ما يحتفظ به الاقتصاد من قيمة مقابل كل دولار تصديري، ومؤشر إنتاجية الاستثمار لقياس ما تحققه الاستثمارات من إنتاج وتشغيل.
كما تبرز أهمية مؤشر القدرة الدولارية للاقتصاد لقياس قدرة القطاعات المختلفة على توليد النقد الأجنبي بصورة مستدامة، ومؤشر الوظائف المستدامة لقياس استمرارية فرص العمل وجودتها وأجورها، إلى جانب مؤشر كفاءة الإنفاق العام لربط الإنفاق بنتائج ملموسة في الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية. ويمكن استكمال ذلك بمؤشر لمرونة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية وكفاءة استغلال الأصول العامة.
ولا يعني هذا المقترح استبدال المؤشرات المعمول بها أو زيادة عددها دون ضرورة، وإنما تحديثها وتطويرها، وإضافة مؤشرات مكملة تتناسب مع طبيعة البرنامج الاقتصادي لمصر 2027–2030، مع تحديد منهجية واضحة لقياسها ومصادر بياناتها والجهات المسؤولة عن متابعتها، وربط نتائجها بالمراجعة الدورية للسياسات الاقتصادية.
إن القيمة الحقيقية لهذا التوجه لا تتمثل في إضافة أرقام جديدة إلى التقارير، وإنما في تطوير طريقة تقييم الأداء الاقتصادي. فالصادرات ليست مجرد سلع تغادر الموانئ وتوفر النقد الأجنبي؛ إنها مصانع تعمل، وموردون ينتجون، وعمالة تكتسب خبرة، وأسر تعتمد على دخل يرتبط باستمرار النشاط الإنتاجي.
لقد اعتدنا أن نسأل: كم حققت مصر من الصادرات؟ وربما حان الوقت لأن نسأل أيضًا: كم فرصة عمل مصرية ارتبطت بكل مليار دولار من صادراتنا؟
فالمرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى قياس حجم النمو، بل إلى تحديث أدوات قياس جودته وأثره؛ حتى يصبح نجاح البرنامج الاقتصادي مرتبطًا بما يحققه للاقتصاد من إنتاج وتنافسية، وبما يضيفه في الوقت نفسه إلى حياة المواطن المصري من فرص عمل ودخل أفضل ومستوى معيشة أكثر استقرارًا.




