بقلم المستشار / خالد السيد
لم يعد الأمن القومي في عصر الذكاء الاصطناعي مفهومًا يرتبط بالحدود والمنشآت والمقدرات المادية للدولة وحدها. فقد أصبحت المعلومات والبيانات والهوية الرقمية ووعي المواطن جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن الوطني. ومن هذه الزاوية تحديدًا يستحق الانتشار الواسع لترند «قاع الهامور» قراءة تتجاوز حدود السخرية والترفيه إلى ما تكشفه الظاهرة عن طبيعة المجال الرقمي الجديد وقدرته على جمع أعداد ضخمة من المستخدمين حول فكرة واحدة خلال وقت بالغ القصر.
لا توجد حتى الآن معلومات موثوقة تكفي للجزم بأن «قاع الهامور» صُمم لاستهداف الدولة المصرية أو أنه يمثل عملية منظمة ضد أمنها القومي. والحديث عن الأمن القومي يجب أن يستند إلى معلومات وأدلة لا إلى الظنون. لكن ذلك لا يمنع من النظر إلى الظاهرة باعتبارها نموذجًا يستحق الدراسة. فالخطر المحتمل ليس بالضرورة في الترند نفسه وإنما في القدرة التي كشف عنها. مساحة رقمية تستطيع خلال فترة قصيرة جذب جمهور واسع وصناعة لغة مشتركة بين أفراده ودفعهم إلى إنتاج المحتوى وإعادة توزيعه تمنحنا تصورًا واضحًا لحجم القوة التي أصبح يمتلكها الانتشار الرقمي.
وهنا يجب التمييز بوضوح بين التعبير الطبيعي وبين التلاعب المنظم. السخرية ليست تهديدًا للدولة والنقد ليس عملًا عدائيًا والتعبير عن المشكلات اليومية لا يصبح قضية أمن قومي لمجرد انتشاره. الخطر الحقيقي يبدأ عندما تستخدم البيئة الرقمية في التضليل المنظم أو التضخيم المصطنع للمحتوى أو تشغيل الحسابات غير الحقيقية أو انتحال الشخصيات أو نشر التزييف العميق أو استغلال البيانات في التأثير على الرأي العام دون معرفة الجمهور بحقيقة المصدر أو الغرض.
لقد تغيرت أدوات التأثير بصورة جذرية. لم تعد صناعة رواية واسعة الانتشار تحتاج بالضرورة إلى مؤسسة إعلامية ضخمة. هاتف ذكي ومنصة اجتماعية وخوارزمية قادرة على توسيع نطاق الوصول وأدوات ذكاء اصطناعي تنتج الصور والأصوات ومقاطع الفيديو أصبحت كافية لصناعة محتوى يمكن أن يصل إلى ملايين الأشخاص في وقت قصير. ومع هذا التحول أصبح المواطن نفسه جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن الرقمي. فهو لم يعد مجرد متلقٍ للمعلومة وإنما أصبح منتجًا لها وناشرًا ومساهمًا في منحها الانتشار.
ومن هنا لم يعد أمن المواطن الرقمي شأنًا شخصيًا منفصلًا عن أمن المجتمع. صورة الوجه والصوت والحسابات الشخصية والبيانات أصبحت جميعها مكونات للهوية الرقمية للإنسان. ومع تطور الذكاء الاصطناعي لم يعد الخطر مقصورًا على سرقة صورة أو اختراق حساب وإنما أصبح ممكنًا إنتاج نسخة رقمية مقنعة من شخص حقيقي تظهر في واقعة لم تحدث أو تتحدث بصوت يشبه صوته أو تنسب إليه أقوال وأفعال لم تصدر عنه.
وهنا يظهر التحدي الأخطر. فالمشكلة في المستقبل لن تكون فقط في أن يصدق المواطن معلومة زائفة وإنما في أن يفقد قدرته على التمييز بين الحقيقي والمصطنع. عندما تصبح الصورة قابلة للتزييف والصوت قابلًا للاستنساخ والفيديو ممكن الاصطناع فإن الثقة في المحتوى نفسه تصبح معرضة للاهتزاز. وفي أوقات الأزمات تحديدًا يمكن أن يمثل ذلك خطرًا حقيقيًا على استقرار المجال المعلوماتي وقدرة المجتمع على الوصول إلى الحقيقة في الوقت المناسب.
لذلك فإن حماية الأمن القومي الرقمي لا تتحقق بتحويل كل ترند إلى موضع اتهام كما لا تتحقق بتجاهل الظواهر الرقمية واسعة التأثير. المطلوب هو القدرة على الرصد والتحليل والتحقق والتمييز بين الانتشار الطبيعي والتضخيم المنظم وبين الرأي الحقيقي والحساب المصطنع وبين النقد المشروع ومحاولة التلاعب المتعمد بالوعي العام. فالدولة القوية رقميًا ليست التي تخشى كل ما ينتشر وإنما التي تفهم كيف بدأ الانتشار وكيف تطور ومن يقف وراءه عند وجود مؤشرات تستدعي الفحص وتستطيع التدخل في الوقت المناسب عندما يظهر خطر حقيقي.
وفي قلب هذه المنظومة يظل المواطن خط الدفاع الأهم. فالمواطن الذي يتحقق قبل إعادة نشر معلومة والذي لا يثق في صورة أو تسجيل لمجرد أنه يبدو حقيقيًا والذي يعرف إلى أي منصة يرفع صوره وبياناته ويقرأ بوعي ما يمنحه من صلاحيات للخدمات الرقمية يصبح أكثر قدرة على حماية نفسه وأقل قابلية للاستغلال. وكلما ارتفع هذا الوعي أصبحت محاولات تضليل المجتمع أكثر صعوبة وأعلى تكلفة.
ومن هنا تأتي أهمية «قاع الهامور». ليس لأنه ثبت أنه يمثل خطرًا على مصر فهذا غير ثابت. وإنما لأنه كشف بصورة شديدة الوضوح كيف يمكن أن يتشكل مجتمع رقمي واسع في وقت قصير وكيف يستطيع الجمهور نفسه أن يتحول إلى قوة هائلة لإنتاج المحتوى وتوزيعه وكيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يضاعف سرعة هذه العملية وقدرتها على التأثير.
هذه القدرة يجب أن نفهمها قبل أن نضطر إلى مواجهتها في سياق أقل براءة. فالترند قد ينتهي لكن أدوات التأثير ستبقى والذكاء الاصطناعي سيصبح أكثر قدرة على صناعة واقع يصعب تمييزه عن الحقيقة. ولذلك لم يعد التحدي متعلقًا بمواجهة ترند بعينه وإنما ببناء مجتمع قادر على التعامل مع عصر تتغير فيه طبيعة المعلومة والصورة والدليل نفسه.
وهذا يفرض معادلة متوازنة تقوم على تشريعات تواكب التطور التكنولوجي ومؤسسات تمتلك أدوات الرصد والتحقق ومنصات تتحمل مسؤوليتها وإعلام مهني سريع في الوصول إلى الحقيقة ومواطن يعرف كيف يحمي بياناته وهويته ووعيه دون المساس بحرية التعبير أو تحويل المجال الرقمي إلى مساحة للخوف والاتهام.
لقد أصبحت للدولة في العصر الرقمي حدود أخرى لا ترسم على الخرائط. حدود تمر عبر البيانات والمعلومات والهوية والوعي. وحماية هذه الحدود أصبحت جزءًا من مفهوم الأمن القومي الحديث.
وقد ينتهي «قاع الهامور» ويأتي بعده عشرات الترندات. لذلك فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان هذا الترند مؤامرة على مصر وإنما ما إذا كنا مستعدين عندما تحاول أي جهة يومًا استغلال ظاهرة رقمية واسعة للتأثير على الدولة أو المجتمع أو المواطن.
الإجابة لا تبدأ بالخوف من التكنولوجيا وإنما بفهمها. ولا تبدأ باتهام المواطن وإنما بحمايته. فكلما كان المواطن أكثر قدرة على حماية بياناته وهويته والتمييز بين الحقيقة والمحتوى المصطنع أصبحت الدولة نفسها أكثر قدرة على مواجهة التضليل والتأثير الخارجي.
في عصر الذكاء الاصطناعي أصبح أمن المواطن الرقمي جزءًا من أمن الوطن وأصبح وعيه أحد أهم خطوط الدفاع عن الأمن القومي المصري.
المستشار خالد السيد
محامٍ بالنقض
رئيس مجلس إدارة شركة رؤية للمحاماة والاستشارات القانونية والتحكيم والتدريب





