وليد خضر
متخصص في الشؤون السياسية والعسكرية وهجمات الإعلام السيبراني،
وباحث في مفاهيم الجرثومة الإعلامية والكبسولة الإعلامية وأمن المعلومات في البيئة الإعلامية.
في كل مرة تدخل فيها مصر اختبارًا إقليميًا أو تواجه تحديًا يمس أمنها القومي، يظهر على هامش المشهد سيل من الأخبار المضللة والشائعات ومحاولات التشكيك في قدرة الدولة على حماية مصالحها. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: من يقف وراء هذه الحملات؟ بل أيضًا: لماذا تتزامن بعض حملات التضليل مع أزمات وملفات شديدة الحساسية بالنسبة إلى الدولة المصرية؟
ويأتي ملف **سد النهضة والعلاقات المصرية الإثيوبية** في مقدمة هذه الملفات.
فالموقف المصري من الأزمة لم يكن قائمًا على رفض التنمية في إثيوبيا، وإنما على التمسك بحقوق مصر المائية وضرورة التوصل إلى ترتيبات تضمن عدم الإضرار بدولتي المصب، وفق ما تؤكده القاهرة في مواقفها الرسمية المتكررة. وفي المقابل، شهد الملف على مدار السنوات الماضية مواقف وتصريحات إثيوبية أثارت مخاوف مصرية وسودانية، خصوصًا عندما ارتبطت إدارة وتشغيل السد بمسائل اعتبرتها القاهرة ذات تأثير مباشر على أمنها المائي.
لكن الأزمة لا تقف عند حدود المفاوضات والسياسة.
هناك معركة أخرى تجري في الفضاء الرقمي: **معركة الرواية والمعلومة**.
### عندما تتحول الشائعة إلى سلاح
في أوقات الأزمات، لا تحتاج الجهات التي تريد إضعاف دولة ما إلى اختلاق قصة معقدة. أحيانًا تكفي جملة قصيرة، أو مقطع فيديو قديم، أو تصريح مبتور، أو رقم بلا مصدر، ثم تبدأ عملية إعادة النشر حتى تبدو المعلومة وكأنها حقيقة.
وهنا تظهر خطورة ما يمكن وصفه بـ**التضليل الإعلامي المنظم**.
فالشائعة لا تستهدف عقل المواطن فقط، وإنما تستهدف ثقته أيضًا: ثقته في مؤسسات الدولة، وفي الإعلام، وفي قدرة بلاده على إدارة الأزمات.
والأخطر أن بعض الحسابات والصفحات المرتبطة بتيارات سياسية معارضة، ومن بينها حسابات مؤيدة لجماعة الإخوان المسلمين، دأبت على إعادة تداول روايات سلبية عن الدولة المصرية. لكن يجب التمييز بين **النقد السياسي المشروع** وبين نشر معلومة كاذبة أو مضللة عن عمد؛ فالأول حق سياسي، أما الثاني فيتحول إلى أداة لإرباك المجتمع عندما يكون مبنيًا على معلومات غير موثقة.
### لماذا يتزامن التصعيد؟
السؤال الأكثر أهمية هو: هل كل هذه الأحداث مجرد مصادفة؟
ليس من المنهجي اتهام جهة بعينها بالعمل لصالح طرف خارجي دون أدلة موثقة. لكن من المشروع دراسة **تزامن الأزمات مع أنماط محددة من المحتوى الرقمي**: ارتفاع الشائعات، إعادة تدوير الأخبار القديمة، استخدام عناوين صادمة، اقتطاع تصريحات من سياقها، وتقديم التوقعات على أنها معلومات مؤكدة.
هذه الأدوات لا تحتاج إلى جيش تقليدي.
يكفي حساب مؤثر، وشبكة صفحات، وعدد من الناشرين، وخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي التي تكافئ المحتوى المثير للجدل.
وهنا يصبح المواطن نفسه جزءًا من عملية الانتشار، أحيانًا من دون أن يدرك أنه يساهم في نشر الرواية التي يرفضها.
### إثيوبيا ليست وحدها في المشهد
القضية المصرية الإثيوبية يجب ألا تُقرأ بمنطق المؤامرة المطلقة، كما لا يجوز قراءتها باعتبارها خلافًا فنيًا بسيطًا.
إنها قضية ترتبط بالمياه والأمن القومي والعلاقات الإقليمية وموازين القوى في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
ولذلك فإن مصر تحتاج إلى إدارة الأزمة عبر **الدبلوماسية والقانون والقدرة السياسية والإعلام المهني** في الوقت نفسه.
أما تحويل كل خبر إلى معركة إلكترونية، وكل تصريح إلى حالة ذعر، وكل خلاف إلى إعلان عن انهيار الدولة، فهو تحديدًا ما يجب الحذر منه.
### المرتزقة الحقيقيون أم صناعة الوهم؟
ربما يكون السؤال الأدق من عنوان المقال هو: من هم “المرتزقة” الذين نتحدث عنهم؟
ليس كل معارض مرتزقًا، وليس كل منتقد لمصر عدوًا، وليس كل خبر سلبي مؤامرة.
لكن عندما يتحول شخص أو منصة إلى ناقل دائم للمعلومات غير الموثقة، ويستمر في إعادة نشر الشائعات بعد تكذيبها، ويتعامل مع الأزمات باعتبارها فرصة لإحداث الذعر، فإننا أمام سلوك يستحق الدراسة والتحليل، بصرف النظر عن الهوية السياسية لصاحبه.
المشكلة إذن ليست في المعارضة، وإنما في **توظيف التضليل كأداة للصراع السياسي**.
وهنا يجب أن تكون المواجهة المصرية أكثر ذكاءً.
### مصر لا تحتاج إلى إعلام يصرخ
أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه الدولة أو الإعلام في مواجهة التضليل هو الرد على الشائعة بشائعة مضادة.
المواجهة الحقيقية تبدأ من المعلومة.
كلما كانت المعلومات الرسمية سريعة، واضحة، قابلة للتحقق، ومدعومة بالوثائق والبيانات، تقل المساحة التي تتحرك فيها الشائعة.
أما ترك الفراغ المعلوماتي، فهو دعوة مفتوحة لمن يريد ملء هذا الفراغ بأي رواية.
ولهذا فإن حماية الأمن القومي المصري لم تعد مرتبطة فقط بحماية الحدود والمنشآت والمياه، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بحماية **الوعي العام من عمليات التلاعب بالمعلومات**.
المعركة الجديدة ليست دائمًا مع من يرفع السلاح.
أحيانًا تكون مع من يرفع هاتفه، وينشر معلومة كاذبة، ثم يترك ملايين الأشخاص يتداولونها باعتبارها حقيقة.
وفي النهاية، فإن قوة مصر لا تُقاس بعدد الشائعات التي تُطلق ضدها، وإنما بقدرتها على كشفها، والرد عليها بالمعلومة، وإدارة أزماتها بهدوء، ومنع خصومها من تحويل الفضاء الرقمي إلى ساحة للفوضى.
**مصر تواجه تحديات حقيقية، وفي مقدمتها ملف المياه والأمن الإقليمي، لكنها لا تحتاج إلى إنكار هذه التحديات حتى تنتصر؛ بل تحتاج إلى مواجهتها بالحقائق، وبالدبلوماسية، وبالمعلومة الدقيقة، وبوعي مجتمع لا يسمح لأحد بأن يحول خوفه إلى أداة لهدم دولته.**





