بقلم: وليد خضر
متخصص في الشؤون السياسية والعسكرية والإعلام السيبراني
في ملف بحجم مشروع محطة الضبعة النووية، لا يمكن التعامل مع أي ملاحظة فنية أو تأخير تنفيذي أو تعديل هندسي باعتباره دليلًا تلقائيًا على فشل المشروع. فالمفاعلات النووية ليست مبنى إداريًا أو مشروع طرق يمكن تقييمه فقط بنسبة الإنجاز وحجم الإنفاق؛ إنها منظومة هندسية شديدة التعقيد، تخضع لعشرات الآلاف من المتطلبات الفنية والتنظيمية وإجراءات الاختبار والتحقق قبل السماح بالتشغيل.
ومن هنا، فإن السؤال الصحيح ليس: «هل توجد ملاحظات على مشروع الضبعة؟»
بل: «ما طبيعة هذه الملاحظات؟ وهل تمثل خطرًا نوويًا حقيقيًا، أم أنها جزء طبيعي من دورة التصميم والتنفيذ والاختبار والاعتماد؟»
وهنا تحديدًا تظهر مشكلة بعض الخطابات التي تتعامل مع أي خبر عن تعديل أو ملاحظة أو مراجعة باعتباره «فضيحة» أو «فشلًا»، بينما المراجعة الفنية في المشاريع النووية ليست عيبًا؛ بل هي إحدى أدوات الأمان الأساسية.
أولًا: ماذا نبني في الضبعة؟
محطة الضبعة النووية تتكون من 4 وحدات نووية من طراز VVER-1200 الروسي، بإجمالي قدرة كهربائية تبلغ نحو 4.8 جيجاوات، أي قرابة 1.2 جيجاوات لكل وحدة.
وهذا الرقم وحده يوضح حجم المشروع.
نحن لا نتحدث عن محطة كهرباء تقليدية، وإنما عن منشأة نووية مصممة للعمل لعقود طويلة، وتضم أنظمة متعددة للحماية والأمان والتبريد والتحكم، وتخضع لمراحل متتابعة من التصميم والتنفيذ والاختبارات والتشغيل التجريبي قبل الوصول إلى التشغيل التجاري.
والأهم أن مفاعل VVER-1200 ينتمي إلى جيل المفاعلات المائية المضغوطة الحديثة، ويعتمد على مجموعة من أنظمة الأمان النشطة والسلبية، مع تصميم يهدف إلى التعامل مع سيناريوهات الحوادث المختلفة وفق متطلبات السلامة النووية الحديثة.
لماذا لا يصح وصف كل ملاحظة بأنها «كارثة»؟
في المشاريع النووية، توجد مستويات مختلفة تمامًا من الملاحظات:
- ملاحظة تصميمية.
- تعديل هندسي.
- تغيير في مواصفة.
- نتيجة اختبار تحتاج إلى إعادة تحقق.
- ملاحظة تنظيمية من الجهة الرقابية.
- عدم مطابقة في مادة أو إجراء.
- مشكلة تنفيذية قابلة للتصحيح.
- أو، في الحالات الأخطر، مسألة قد تمس متطلبات الأمان.
وضع هذه الأنواع كلها في جملة واحدة تحت عنوان «مشاكل في المفاعل» هو تبسيط مخل بالواقع الهندسي.
فالمنهج النووي الصحيح يقوم على مبدأ: اكتشف الملاحظة مبكرًا، وثّقها، قيّم تأثيرها، صححها، ثم أعد الاختبار والتحقق.
بل إن عدم اكتشاف الملاحظات أو تجاهلها هو الأمر الذي يستحق القلق.
الأرقام تكشف حجم المشروع
تبلغ القدرة الإجمالية للمحطة 4800 ميجاوات.
وعند تشغيل الوحدات الأربع، يمكن لمحطة الضبعة أن تصبح أحد أكبر مصادر التوليد الكهربائي المستقر في منظومة الكهرباء المصرية، مع ميزة أساسية للطاقة النووية تتمثل في قدرتها على إنتاج الكهرباء على مدار الساعة وبمعامل استخدام مرتفع، بخلاف مصادر الطاقة المتجددة التي تتأثر بتوافر الشمس أو الرياح.
كما أن المشروع يرتبط باتفاقية تمويل روسية تصل إلى نحو 25 مليار دولار في صورة قرض حكومي مخصص لتمويل الإنشاء، بينما تبلغ القيمة الاستثمارية الإجمالية للمشروع وفق التقديرات المعلنة نحو 30 مليار دولار.
وهنا يجب التفريق بين تكلفة المشروع وقيمة القرض؛ فهما ليسا رقمًا واحدًا ولا يؤديان الوظيفة المالية نفسها.
لماذا اختارت مصر الطاقة النووية؟
الإجابة ليست فقط «توليد الكهرباء».
الطاقة النووية تمنح مصر فرصة لتنويع مزيج الطاقة وتقليل الاعتماد على مصدر واحد، خصوصًا مع ارتفاع الطلب على الكهرباء وتوسع النشاط الصناعي والعمراني.
كما أن امتلاك صناعة نووية مدنية لا يعني فقط امتلاك أربعة مفاعلات.
إنه يعني بناء خبرات في:
الهندسة النووية، الفيزياء، أنظمة التحكم، المواد، القياسات، الصيانة، إدارة الوقود، الحماية من الإشعاع، الأمن النووي، إدارة النفايات، والتشغيل طويل الأجل.
وهذه المعرفة تمثل قيمة استراتيجية تتجاوز محطة الضبعة نفسها.
الضبعة ليست مجرد محطة كهرباء
إذا تعاملنا مع المشروع باعتباره «محطة كهرباء» فقط، فسوف نفقد جزءًا كبيرًا من قيمته الاستراتيجية.
المشروع يمكن أن يكون نواة لصناعة نووية مصرية مدنية أوسع، خصوصًا إذا نجحت الدولة في توطين نسبة متزايدة من الصناعات والخدمات المرتبطة بالمحطات النووية.
وهنا تكمن القضية الأهم:
هل ستظل مصر مستهلكًا للتكنولوجيا النووية، أم تتحول تدريجيًا إلى دولة تمتلك قاعدة معرفية وصناعية نووية؟
الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد جزءًا مهمًا من العائد الاستراتيجي للمشروع.
ومن منظور عسكري واستراتيجي؟
هناك خطأ شائع في الخلط بين «الطاقة النووية السلمية» و«القدرة النووية العسكرية».
محطة الضبعة مشروع للاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وتخضع لمنظومة رقابية دولية ووطنية، ولا ينبغي تقديمها إعلاميًا باعتبارها مشروعًا لتصنيع سلاح نووي.
لكن من الناحية الاستراتيجية، فإن امتلاك دولة مثل مصر لبنية تحتية متقدمة في العلوم النووية والهندسة والفيزياء والتكنولوجيا يمثل تطورًا مهمًا في القدرة العلمية والصناعية الوطنية.
وهذه نقطة مختلفة تمامًا عن امتلاك سلاح نووي.
ماذا يعني وجود ملاحظات أثناء التنفيذ؟
هنا يجب أن نتعلم من طبيعة الصناعة النووية نفسها.
المشروع يمر بمراحل متتالية:
تصميم → مراجعة → تصنيع → توريد → تركيب → فحص → اختبار → تشغيل تجريبي → تحميل الوقود → بدء التشغيل → اختبارات القدرة → التشغيل التجاري.
وفي كل مرحلة توجد نقاط تحقق واعتماد.
لذلك، عندما تظهر ملاحظة أثناء إحدى هذه المراحل، فالسؤال المهني يجب أن يكون:
- ما الملاحظة تحديدًا؟
- من الجهة التي اكتشفتها؟
- ما تصنيفها الفني؟
- هل تؤثر على وظيفة أمان؟
- هل لها تأثير على التصميم الأساسي؟
- ما الإجراء التصحيحي؟
- هل تم اعتماد التصحيح؟
- هل أُعيد الاختبار؟
- هل أصدرت الجهة الرقابية موافقتها على الانتقال للمرحلة التالية؟
أما تحويل كلمة «ملاحظة» إلى «كارثة نووية» دون الإجابة عن هذه الأسئلة، فهو ليس تحليلًا فنيًا.
الضبعة ونموذج «الدولة التي تفكر لعشرات السنين»
المشروعات النووية لا تُبنى بمنطق الدورة السياسية القصيرة.
المفاعل الذي يبدأ العمل اليوم يمكن أن يستمر في الخدمة لعقود، ولذلك فإن القرار الحقيقي ليس قرار حكومة أو جيل واحد فقط؛ إنه قرار يتعلق بالبنية التحتية المستقبلية للدولة.
وهذا ما يجعل الضبعة مشروعًا استراتيجيًا.
فمصر التي يبلغ عدد سكانها أكثر من مئة مليون نسمة وتحتاج باستمرار إلى طاقة للصناعة والنقل وتحلية المياه والمدن الجديدة ومراكز البيانات والاقتصاد الرقمي، تحتاج إلى مصادر طاقة مستقرة ومتنوعة.
والطاقة النووية يمكن أن تكون أحد أعمدة هذا التنوع.
الخطر الحقيقي هو «الإشاعة غير المتخصصة»
من منظور الإعلام السيبراني، يمكن أن تتحول معلومة فنية صغيرة إلى رواية سياسية كبيرة.
يبدأ الأمر أحيانًا بجملة مثل:
«ظهرت مشكلة في أحد مكونات المحطة.»
ثم تنتقل عبر منصات التواصل إلى:
«مشاكل خطيرة في المفاعل.»
ثم تتحول إلى:
«المشروع مهدد.»
ثم تنتهي إلى:
«الضبعة فاشلة.»
وهنا لا يعود الجمهور يناقش وثيقة فنية، بل يناقش رواية صُنعت من خلال إعادة تدوير معلومة مبتورة.
وهذا نموذج واضح لما يمكن تسميته إعلاميًا تضخيم المعلومة الفنية خارج سياقها.
المواجهة الصحيحة ليست بإخفاء المعلومات، وإنما بنشر المعلومات الفنية الموثقة وشرحها بلغة يفهمها الجمهور.
النقد مطلوب.. ولكن بشروط
الدفاع عن الضبعة لا يعني منع النقد.
بل على العكس؛ المشروع النووي يحتاج إلى رقابة صحفية ومجتمعية ومؤسسية شديدة.
لكن هناك فرقًا بين:
النقد المهني القائم على وثيقة وبيانات،
وبين:
إطلاق حكم سياسي على مشروع نووي بناءً على منشور مجهول المصدر أو مقطع مجتزأ.
الدولة التي تريد مشروعًا نوويًا ناجحًا يجب أن تقبل الأسئلة الصعبة، وفي الوقت نفسه يجب أن ترد عليها بالبيانات.
الضبعة كاستثمار في المستقبل
يمكن النظر إلى الضبعة على ثلاثة مستويات:
المستوى الأول: الطاقة
إضافة 4.8 جيجاوات من القدرة النووية إلى منظومة الكهرباء المصرية.
المستوى الثاني: الاقتصاد
خلق طلب على قطاعات هندسية وصناعية وخدمية، وتطوير سلاسل توريد وتدريب كوادر متخصصة.
المستوى الثالث: المعرفة الاستراتيجية
بناء قاعدة بشرية ومؤسسية في مجال من أكثر مجالات التكنولوجيا تقدمًا وحساسية.
وهذا هو الجزء الذي لا يظهر في صورة المفاعل نفسه.
الخلاصة
مفاعل الضبعة ليس مشروعًا معصومًا من الملاحظات، ولا ينبغي تقديمه بهذه الصورة.
لكنه في الوقت نفسه لا يصبح مشروعًا فاشلًا لمجرد ظهور ملاحظة أو تعديل أو تأخير أو إعادة اختبار.
المعيار الحقيقي هو السلامة، والالتزام بالمعايير، وشفافية المعلومات، وقدرة المنظومة الرقابية على اكتشاف الأخطاء وتصحيحها قبل التشغيل.
وفي المشاريع النووية تحديدًا، وجود نظام يكتشف الملاحظات ويوقف الانتقال إلى المرحلة التالية حتى يتم التحقق منها قد يكون علامة على قوة منظومة الجودة، وليس دليلًا على انهيار المشروع.
أما تحويل كل ملاحظة فنية إلى أزمة سياسية، فهو في رأيي غباء تحليلي قبل أن يكون غباءً سياسيًا؛ لأن السياسة الرشيدة يجب أن تفهم طبيعة التكنولوجيا التي تناقشها قبل أن تصدر أحكامها عليها.
الضبعة ليست مجرد أربعة مفاعلات.
إنها اختبار لقدرة مصر على الدخول بصورة أعمق إلى عصر التكنولوجيا النووية السلمية، وبناء كوادر علمية وهندسية، وتنويع مصادر الطاقة، وتأسيس قاعدة صناعية ومعرفية يمكن أن تمتد آثارها إلى عقود قادمة.
ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس: «هل توجد ملاحظات في الضبعة؟»
بل:
هل يتم اكتشاف الملاحظات وتقييمها وتصحيحها واختبارها وفق المعايير النووية قبل التشغيل؟
إذا كانت الإجابة نعم، فهذه ليست علامة فشل.
هذه هي الطريقة التي تُبنى بها المنشآت النووية الآمنة.
وليد خضر
متخصص في الشؤون السياسية والعسكرية والإعلام السيبراني






