من شراكة مصرية–صينية إلى منصة صناعية تجعل من صعيد مصر قاعدة إنتاج للسوق الأفريقية

بقلم دكتوره / حنان نجيب 

الاتفاقية الكبرى ليست ما تم توقيعه… بل إنشاء منصة مصرية–صينية للتصنيع من أجل أفريقيا، يكون لها مركز صناعي في صعيد مصر
من شراكة مصرية–صينية إلى منصة صناعية تجعل من صعيد مصر قاعدة إنتاج للسوق الأفريقية

لماذا ننظر إلى الاتفاقيات الاقتصادية مع الصين باعتبارها مجرد اتفاقات لزيادة التجارة والاستثمار، بينما يمكن أن تكون نقطة انطلاق لمشروع أكبر بكثير؟ السؤال الذي يستحق أن يُطرح الآن ليس فقط: ماذا تستطيع مصر أن تصدر إلى الصين؟ وإنما: ماذا يمكن أن تصنع الصين في مصر لكي تصدره مصر إلى أفريقيا؟
هذه هي الفكرة التي يمكن أن تنقل الشراكة المصرية–الصينية إلى مستوى مختلف: إنشاء منصة مصرية–صينية للتصنيع من أجل أفريقيا، يكون لها مركز صناعي في صعيد مصر، وتضم مصانع ومشروعات مشتركة وخدمات صناعية ولوجستية، بحيث تتحول مصر من مجرد سوق للمنتجات الصينية إلى قاعدة إنتاج وتصدير للشركات الصينية إلى الأسواق الأفريقية.
ولا تعني المنصة إنشاء منطقة صناعية صينية أخرى بالمعنى التقليدي، وإنما بناء منظومة متكاملة تقوم على معادلة واضحة: الصين تقدم التكنولوجيا ورأس المال والخبرة الصناعية، ومصر توفر الموقع والموارد والبنية الأساسية والعمالة والنفاذ إلى الأسواق، بينما يكون الهدف النهائي إنتاج سلع ذات قيمة مضافة داخل مصر وتصديرها إلى أفريقيا.
ويكون المركز الصناعي في صعيد مصر هو القلب الإنتاجي لهذه المنصة، من خلال تخصيص مساحة مناسبة لإنشاء مصانع صينية ومصرية–صينية في قطاعات يتم اختيارها وفقًا لاحتياجات الأسواق الأفريقية. وبذلك لا تكون المنصة مجرد إطار تنظيمي أو فكرة استثمارية، وإنما مشروعًا إنتاجيًا حقيقيًا يخلق مصانع وفرص عمل وسلاسل توريد وقيمة مضافة داخل الاقتصاد المصري.
وتزداد أهمية اختيار صعيد مصر لأن المنطقة لا تمتلك الموقع فقط، وإنما ترتبط أيضًا بموارد معدنية وخامات متنوعة، من بينها الذهب والفوسفات والحديد والكوارتز وغيرها من الخامات. لكن الهدف لا ينبغي أن يكون استخراج هذه الموارد وتصديرها في صورتها الأولية، بل استخدامها كنقطة بداية لصناعات تحويلية ذات قيمة مضافة أعلى، باستخدام التكنولوجيا والخبرة الصينية، بما يسمح لمصر بالانتقال من تصدير الخام إلى تصنيع منتجات يمكن تسويقها في الأسواق الأفريقية.
وهنا تحديدًا تظهر مصلحة مصر. فإذا جاءت الشركات الصينية بهدف إقامة مصانع تجميع فقط، فلن تكون المكاسب مختلفة جذريًا عن أي استثمار أجنبي تقليدي. أما إذا ارتبطت الحوافز المصرية بمستويات التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا وتدريب العمالة وتطوير الموردين وزيادة الصادرات، فإن كل مصنع داخل المركز الصناعي يمكن أن يتحول إلى نواة لسلسلة صناعية مصرية أوسع.
ويمكن أن تتضمن الاتفاقيات مع الشركات المستثمرة التزامًا بإنشاء مراكز تدريب فني وهندسي، وتوطين مراحل متزايدة من الإنتاج، وتأهيل شركات مصرية لتصبح موردين للمصانع، وإنشاء مراكز صيانة وهندسة، ثم الانتقال تدريجيًا إلى البحث والتطوير. وبهذا لا تحصل مصر على مصنع فقط، وإنما تحصل على معرفة صناعية وقدرات بشرية وتكنولوجية يمكن أن تستمر وتتوسع مع الوقت.
أما الأسواق المستهدفة فلا ينبغي أن تكون مصر وحدها. يجب أن تُصمم المنصة منذ البداية على أساس احتياجات أفريقيا، وخاصة الأسواق التي تحتاج إلى المعدات الزراعية، ومعدات الري والطاقة، والمضخات، والمعدات الكهربائية، ومكونات النقل، ومعدات البناء، وبعض المنتجات المعدنية والهندسية. وبذلك يصبح معيار اختيار المشروع هو حجم الطلب الأفريقي وقابلية المنتج للتصنيع في مصر، وليس مجرد رغبة المستثمر في إنشاء مصنع.
ولا يتوقف مفهوم المنصة عند التصنيع. فهي يمكن أن ترتبط بشبكة من الخدمات اللوجستية والتخزين والنقل والتوزيع، إلى جانب مكاتب تجارية وتسويقية في الأسواق الأفريقية الرئيسية، بحيث تتحول مصر إلى مركز لإدارة دورة المنتج كاملة: من التصنيع في الصعيد، إلى النقل، ثم التسويق والتوزيع في أفريقيا.
والعائد على مصر هنا يتجاوز قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر. فالمشروع يمكن أن يحقق زيادة الصادرات، وتوطين التكنولوجيا، وخلق وظائف صناعية في الصعيد، وزيادة القيمة المضافة للموارد المصرية، وتنمية سلاسل الموردين المحليين، وجذب استثمارات جديدة، وفتح أسواق أفريقية أمام الشركات المصرية. كما يمكن أن يمنح مصر ميزة تفاوضية جديدة مع الصين، لأن العلاقة لن تقوم فقط على استيراد المنتجات الصينية، وإنما على إنتاجها بصورة مشتركة في مصر وتصديرها إلى أسواق أخرى.
ومن المهم أيضًا ألا تتحول الموارد المعدنية في صعيد مصر إلى مجرد عامل جذب للاستثمار الأجنبي دون ضمان استفادة الاقتصاد المصري منها. لذلك يجب أن تكون الأولوية للمشروعات التي تحقق أكبر قدر ممكن من المعالجة والتصنيع داخل مصر، مع وضع ضوابط واضحة لحماية الموارد وتعظيم العائد المحلي.
وبذلك يمكن أن تتحول المعادلة المصرية–الصينية من علاقة تجارية تقليدية إلى سلسلة قيمة ثلاثية: الصين تملك التكنولوجيا ورأس المال، ومصر تملك الموقع والموارد والقدرة على التصنيع، وأفريقيا تملك السوق. وما تحتاجه مصر هو أن تجمع هذه المزايا داخل منظومة واحدة.
والرسالة التي يمكن أن تضعها مصر أمام الصين ليست: «استثمروا في مصر» فقط، وإنما رسالة أكثر طموحًا: «اجعلوا مصر قاعدة صناعية للوصول إلى أفريقيا، وسنمنحكم البيئة التي تساعدكم على ذلك، مقابل أن تتركوا في مصر تكنولوجيا وصناعة وقدرات بشرية وقيمة مضافة.»
عندها لا تكون الاتفاقية الكبرى مجرد اتفاق لزيادة التجارة أو جذب الاستثمارات، وإنما يمكن أن تصبح بداية لإعادة تعريف موقع مصر في العلاقة مع الصين: من سوق للمنتج الصيني إلى شريك في إنتاجه، ومن طريق يمر عبره المنتج إلى أفريقيا إلى قاعدة تصنع من خلالها الصين جزءًا من منتجاتها للسوق الأفريقية.
الصين لديها التكنولوجيا، وأفريقيا لديها السوق، ومصر تستطيع أن تكون نقطة الالتقاء بينهما.
والمطلوب ليس أن تطلب مصر من الصين أن تستثمر في مصر فقط، بل أن تجعل الصين ترى في مصر المكان الأكثر كفاءة لإنتاج ما تريد أن تبيعه لأفريقيا.

  • Related Posts

    مصر والصين.. شراكة استراتيجية تكتب فصلًا جديدًا من قوة الدولة المصرية

    بقلم: أحمد الشرقاوي في مشهد يليق بمكانة مصر ودورها المحوري، استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية الصين الشعبية شي جين بينغ، في زيارة تاريخية إلى القاهرة، تحمل الكثير من…

    مصر بين واشنطن وبكين ..من يكسب رهان الذكاء الاصطناعي

    بقلم /المستشار خالد السيد  لم تعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين محصورة في التجارة أو النفوذ السياسي والعسكري، فالمواجهة الأكثر تأثيرًا في مستقبل الاقتصاد العالمي أصبحت تدور حول التكنولوجيا والذكاء…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *