بقلم: العميد الدكتور محمد حجاب
في مشهد لافت، بدأت شاشات ولوحات إعلانية في عدد من المدن الصينية تضع العلماء والباحثين في المساحة التي اعتاد الجمهور أن يرى فيها نجوم الفن والرياضة. لم يعد العالم حبيس الجامعة والمختبر، بل أصبح حاضرًا في الشارع بوصفه نموذجًا للنجاح وقدوة للأجيال الجديدة.
قد يبدو الأمر مجرد مبادرة إعلامية، لكنه يحمل رسالة أعمق: إعادة تعريف من يستحق أن يكون نجمًا في المجتمع.
المشكلة ليست في غياب العلماء، وإنما في غيابهم عن المجال العام. يعرف الناس أسماء المشاهير والمؤثرين، بينما قد يجهل كثيرون أسماء علماء أسهموا في تغيير حياة الملايين. ومن هنا تأتي أهمية التجربة الصينية: عندما يرى الطفل عالمًا على شاشة ضخمة، فإنه يتلقى رسالة مختلفة مفادها أن العلم يمكن أن يصنع المكانة، والإنجاز يمكن أن يصنع الشهرة.
من الشهرة إلى الإنجاز
الصين لا تحتاج إلى إقصاء الفن أو الرياضة، وإنما إلى إعادة التوازن في صناعة القدوة. فالمجتمع الذي يريد أجيالًا من العلماء لا يكفيه أن يطالب الشباب بحب العلم؛ عليه أن يمنح العالم مكانة اجتماعية توازي قيمة ما يقدمه.
وهنا يمكن لمصر أن تستفيد من الفكرة دون استنساخها.
مصر لا تبدأ من الصفر
مصر تمتلك قاعدة علمية ومؤسسية مهمة، كما تضع رؤية مصر 2030 المعرفة والابتكار والبحث العلمي ضمن ركائز التنمية. لكن التحدي هو نقل العلم من الخطاب الرسمي والمؤسسات الأكاديمية إلى المجال العام.
ولذلك يمكن إطلاق مبادرة وطنية بعنوان «علماء مصر.. نجوم المستقبل»، تستثمر الشاشات الرقمية والمساحات العامة في المدن والجامعات ومحطات النقل للتعريف بالعلماء والمبتكرين المصريين.
ولا ينبغي أن تقتصر على الرموز التاريخية مثل أحمد زويل وفاروق الباز ومجدي يعقوب، بل يجب أن تقدم أيضًا علماء وباحثي الجيل الجديد، مع تعريف مبسط بإنجازاتهم وتأثيرها في حياة المصريين.
فالصورة وحدها لا تصنع القدوة؛ القصة هي التي تصنع التأثير.
من الشارع إلى المدرسة
يمكن أن تمتد المبادرة إلى المدارس من خلال نموذج «عالم الشهر»، بحيث يتعرف الطلاب إلى عالم مصري وإنجازه وتطبيقاته، بالتوازي مع محتوى إعلامي ورقمي يجعل العالم شخصية معروفة وقريبة من الشباب.
لكن نجاح الفكرة يتطلب شرطًا أساسيًا: ألا يتحول تكريم العلماء إلى حملة دعائية.
فلا معنى لأن نضع العالم على الشاشة ونتركه بعيدًا عن المعمل والتمويل والفرص البحثية وتحويل أفكاره إلى منتجات. لذلك يجب أن تسير المبادرة في مسارين متوازيين:
مسار رمزي: رفع المكانة الاجتماعية للعالم والمبتكر.
ومسار عملي: توفير البيئة التي تحول المعرفة إلى ابتكار وإنتاج وفرص عمل وحلول لمشكلات المجتمع.
مصر تحتاج إلى «نجوم من نوع جديد»
المنافسة بين الدول لم تعد على الموارد فقط، بل على العقول والمعرفة والابتكار. والدولة التي تجعل أبناءها يحلمون بأن يصبحوا علماء ومبتكرين، ثم توفر لهم البيئة اللازمة لتحقيق ذلك، تبني قوة استراتيجية تمتد لعقود.
لذلك لسنا بحاجة إلى مجتمع بلا مشاهير، وإنما إلى أكثر من تعريف للنجاح.
الفنان نجم بإنجازه، والرياضي ببطولته، والعالم باكتشافه، والطبيب بإنقاذه للحياة، والمبتكر بتحويل فكرته إلى قيمة.
عندها تصبح الشهرة نتيجة للإنجاز لا بديلًا عنه.
وربما تكون الرسالة الأهم من التجربة الصينية أن تبدأ مصر بوضع علمائها في واجهة المشهد، لكن عليها في الوقت نفسه أن تمنحهم مساحة أكبر في المعامل والجامعات والمصانع ومراكز الابتكار.
فـصناعة النجم العلمي قد تبدأ من الشاشة، لكنها لا تكتمل إلا عندما يتحول العلم إلى قوة إنتاج وتنمية.





