مصر بين واشنطن وبكين ..من يكسب رهان الذكاء الاصطناعي

بقلم /المستشار خالد السيد 

لم تعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين محصورة في التجارة أو النفوذ السياسي والعسكري، فالمواجهة الأكثر تأثيرًا في مستقبل الاقتصاد العالمي أصبحت تدور حول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والرقائق المتقدمة ومراكز البيانات، وهي أدوات لم تعد مجرد منتجات تقنية، بل تحولت إلى عناصر قوة ترتبط بالاقتصاد والأمن القومي واستقلال القرار. وفي قلب هذا السباق تبرز مصر بما تملكه من موقع جغرافي استثنائي وسوق كبيرة وشبكات اتصالات وكابلات بحرية وقاعدة بشرية مؤهلة، وهي عوامل تجعلها شريكًا مهمًا في خريطة الاقتصاد الرقمي الجديدة. وقد ازداد الاهتمام أخيرًا مع ما نُشر عن عرض صيني عبر هواوي لتطوير بنية لمراكز بيانات متخصصة في الذكاء الاصطناعي داخل مصر باستخدام رقائق من عائلة Ascend، بالتزامن مع تقارير عن تحركات أميركية لتقديم بدائل تكنولوجية منافسة، وهو ما يضع القاهرة أمام فرصة يمكن أن تتجاوز كثيرًا حدود التعاقد على مشروع تقني، إذا أُدير الملف بمنطق المصلحة المصرية أولًا.

 

القضية في تقديري لا تتعلق بعدد الرقائق أو الخوادم التي يمكن أن تحصل عليها مصر، ولا بقيمة العرض الصيني مقارنة بالعرض الأميركي المحتمل، لأن اختيار البنية التي ستقوم عليها قدرات الدولة في الذكاء الاصطناعي يعني عمليًا الدخول في منظومة مترابطة من الحوسبة والبرمجيات والخدمات السحابية والأمن السيبراني وتخزين البيانات والتدريب والصيانة والتطوير. لذلك يجب أن يكون معيار المفاضلة هو ما ستحصل عليه مصر على المدى البعيد: ما حجم التكنولوجيا التي ستنتقل إلى الداخل؟ وما مساحة مشاركة المهندسين والباحثين المصريين؟ وهل تستطيع الجامعات ومراكز البحث والشركات الناشئة الاستفادة من هذه القدرات؟ وأين ستخزن البيانات ومن يملك حق إدارتها؟ وما الضمانات القانونية والفنية التي تحمي الدولة من الاعتماد طويل الأجل على مورد تكنولوجي واحد؟

 

الصين لديها بطبيعة الحال مصالحها في توسيع حضور شركاتها ومنظومتها التكنولوجية في الأسواق الدولية، والولايات المتحدة لديها مصالحها في الحفاظ على تفوق منظومتها التكنولوجية والحد من توسع البدائل الصينية، أما مصر فلديها مصلحة مختلفة ينبغي أن تظل هي نقطة البداية والنهاية، وهي الاستفادة من المنافسة بين الطرفين دون التحول إلى تابع تكنولوجي لأي منهما. ومن هذه الزاوية تكتسب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة أهمية خاصة في ظل اتساع العلاقات المصرية الصينية في الاستثمار والصناعة والطاقة والتكنولوجيا، لكنها لا تعني بالضرورة أن المنافسة قد حُسمت لصالح بكين، كما أن التعامل مع الملف باعتباره اختيارًا حتميًا بين الصين والولايات المتحدة قد يحرم مصر من واحدة من أهم أوراقها التفاوضية، وهي قدرتها على تنويع الشراكات والحصول على أفضل الشروط من كل طرف.

 

المنافسة نفسها يمكن أن تصبح مكسبًا مصريًا إذا ربطت القاهرة المشروعات الكبرى بشروط واضحة تتعلق بنقل المعرفة وتدريب الكفاءات وإنشاء مراكز للبحث والتطوير وإشراك الشركات المحلية ودعم الشركات الناشئة وحوكمة البيانات والأمن السيبراني، فليس الهدف أن نستورد أحدث التكنولوجيا ثم نكتفي باستخدامها، وإنما أن تؤدي كل شراكة جديدة إلى زيادة ما تمتلكه مصر من معرفة وخبرة وقدرة على التطوير. الموقع الجغرافي يمنح مصر ميزة يصعب تجاهلها، وشبكات الكابلات البحرية واتصالها بالأسواق العربية والأفريقية والأوروبية توفر أساسًا مهمًا لتطوير نشاط مراكز البيانات والخدمات السحابية والذكاء الاصطناعي، لكن الموقع وحده لا يصنع مركزًا تكنولوجيًا دوليًا، فذلك يحتاج إلى طاقة مستقرة واتصالات قوية وتشريعات مرنة وحماية فعالة للبيانات وكفاءات بشرية واستثمار مستمر في البحث والتطوير.

 

ولهذا فإن القيمة الحقيقية لأي اتفاق لن تظهر يوم توقيعه، وإنما فيما سيبقى داخل مصر بعد سنوات من تنفيذه. كم مهندسًا مصريًا أصبح قادرًا على تشغيل هذه الأنظمة وتطويرها؟ وكم شركة مصرية دخلت سلاسل القيمة المرتبطة بها؟ وكم معرفة تم توطينها؟ وهل أصبحت الدولة أكثر قدرة على إدارة بياناتها واتخاذ قرارها الرقمي باستقلال؟ إذا تحققت هذه النتائج فنحن أمام استثمار استراتيجي حقيقي، أما إذا اقتصر الأمر على شراء أجهزة متقدمة وتشغيلها اعتمادًا على الخبرة الأجنبية، فقد نمتلك التكنولوجيا دون أن نمتلك المعرفة التي صنعتها.

 

لذلك ربما لا يكون السؤال الصحيح هو: هل تفوز الصين أم الولايات المتحدة بمصر؟ فمصر ليست جائزة في منافسة دولية، وإنما دولة تملك مصالحها وأوراقها وقدرتها على التفاوض. والسؤال الأكثر أهمية هو: هل تستطيع مصر أن تجعل المنافسة الأميركية الصينية تعمل لمصلحتها؟ إذا نجحت القاهرة في تحويل هذا السباق إلى استثمارات ونقل للتكنولوجيا وبناء للكوادر وتوطين للصناعة وحماية للبيانات وتعزيز للسيادة الرقمية، فلن تكون المسألة عندها متعلقة بهوية الفائز بين واشنطن وبكين، لأن الفائز الحقيقي يجب أن يكون مصر.

 

المستشار خالد السيد

  • Related Posts

    مصر والصين.. شراكة استراتيجية تكتب فصلًا جديدًا من قوة الدولة المصرية

    بقلم: أحمد الشرقاوي في مشهد يليق بمكانة مصر ودورها المحوري، استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية الصين الشعبية شي جين بينغ، في زيارة تاريخية إلى القاهرة، تحمل الكثير من…

    عندما يصبح العالم نجمًا.. ماذا تتعلم مصر من التجربة الصينية؟

    بقلم: العميد الدكتور محمد حجاب في مشهد لافت، بدأت شاشات ولوحات إعلانية في عدد من المدن الصينية تضع العلماء والباحثين في المساحة التي اعتاد الجمهور أن يرى فيها نجوم الفن…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *