وليد خضر — متخصص في الشؤون السياسية والعسكرية وهجمات الإعلام السيبراني،
وباحث في مفاهيم الجرثومة الإعلامية والكبسولة الإعلامية وأمن المعلومات في البيئة الإعلامية.
مع اقتراب شهر أكتوبر من كل عام، تبدأ محاولات متكررة لتعكير فرحة المصريين بذكرى واحدة من أعظم الانتصارات في تاريخهم الحديث؛ انتصار السادس من أكتوبر الذي لم يكن مجرد معركة عسكرية، وإنما لحظة أعادت للمصريين ثقتهم بأنفسهم، وأثبتت أن الإرادة الوطنية قادرة على تغيير موازين القوة مهما بدا الواقع صعبًا.
ولهذا لم يعد مستغربًا أن تتحول ذكرى أكتوبر، في كل عام، إلى ساحة لمحاولات التشويه والتشكيك وإثارة الأزمات، وكأن هناك من يريد للمصريين أن يحتفلوا بانتصارهم وهم منشغلون بالخلافات والصراعات الداخلية.
لكن الأخطر أن مفهوم الخيانة نفسه تغير.
فالخيانة لم تعد بالضرورة صورة واضحة لعدو يقف على الجانب الآخر من الحدود، وإنما يمكن أن تبدأ من تخطيط يتم خارج الحدود، ثم تنتقل إلى الداخل عبر أدوات بشرية وإعلامية ورقمية قادرة على تنفيذ ما تم التخطيط له.
هنا تظهر شبكة العنكبوت.
شبكة لا تُرى بسهولة، ولا تعتمد على خيط واحد، وإنما تتكون من عشرات الخيوط المتشابكة: إعلام، منصات رقمية، مصالح، علاقات، تمويلات، منظمات، مراكز تأثير، وشخصيات تمتلك القدرة على الوصول إلى قطاعات مختلفة من المجتمع.
والأخطر أن بعض هذه الخيوط قد تكون ممتدة إلى الداخل، بينما يبقى مصدرها الحقيقي خارج الحدود.
ففي عالم أصبحت فيه المعلومات إحدى أهم أدوات القوة، لم تعد الدول الكبرى بحاجة دائمًا إلى التدخل المباشر. يكفي أحيانًا أن تجد داخل المجتمع من يستطيع حمل الرسالة، وتكرارها، وإعادة إنتاجها، ومنحها مظهرًا محليًا يجعل اكتشاف مصدرها الحقيقي أكثر صعوبة.
وهنا تصبح بعض النخب هدفًا أو أداة في الوقت نفسه.
فالنخبة التي ترتبط بمصالح أو تمويلات خارجية يمكن أن تتحول، عن قصد أو دون إدراك كامل، إلى جزء من منظومة أوسع لإعادة تشكيل الوعي العام وفق أجندات لا تتطابق بالضرورة مع المصالح الوطنية.
ولا تتوقف الخطورة عند شخص أو مؤسسة بعينها، لأن الشبكة الحقيقية لا تعمل بهذه الطريقة.
هي شبكة من العلاقات.
خيط يقود إلى خيط، وشخص إلى مؤسسة، ومؤسسة إلى جهة تمويل، ومنصة إلى جمهور، ورسالة إلى رسالة أخرى، حتى يبدو المشهد في النهاية وكأنه أصوات متعددة ومستقلة، بينما قد تكون بعض الخيوط متصلة بمصدر واحد.
وهنا يجب أن ننتبه إلى أن أخطر ما في هذه الشبكات ليس قدرتها على صناعة الكذب، وإنما قدرتها على خلط الحقيقة بالكذب.
تأخذ واقعة حقيقية، وتضع بجوارها معلومة ناقصة، ثم تضيف تفسيرًا مضللًا، وبعد ذلك تكرر الرسالة عبر عشرات الحسابات والمنصات، حتى تتحول الرواية المصطنعة إلى شيء يبدو وكأنه حقيقة متفق عليها.
وهذه هي الحرب الجديدة.
حرب لا تحتاج إلى مدافع كي تبدأ، ولا إلى طائرات كي تستمر.
يكفي هاتف محمول، ومنصة رقمية، وشبكة حسابات، ورسالة محسوبة التوقيت.
ولهذا فإن الاقتراب من أكتوبر لا يعني فقط الاستعداد للاحتفال بذكرى النصر، وإنما يعني أيضًا الاستعداد لمواجهة كل محاولة تستهدف الذاكرة الوطنية أو تحاول إفراغ الانتصار من معناه.
فالمصري الذي عبر قناة السويس عام 1973 لم يكن يحارب من أجل أرض فقط، وإنما كان يحارب من أجل كرامة وطن.
واليوم، فإن الحفاظ على هذه الكرامة يبدأ من الحفاظ على الوعي.
المشكلة ليست في النقد، ولا في الاختلاف، ولا في وجود آراء متعددة داخل المجتمع؛ فهذه أمور طبيعية في أي دولة.
المشكلة عندما يتحول الاختلاف إلى أداة منظمة، وعندما يصبح التشكيك وظيفة، وعندما تتحول بعض الأصوات إلى أبواق تردد ما يُراد لها أن تردده، وعندما تصبح المصالح الخارجية أقوى من الانتماء الوطني.
في هذه اللحظة تحديدًا، يجب أن نبحث عن الخيط الأول في شبكة العنكبوت.
من أين بدأت الرسالة؟
من يقف وراءها؟
من يمولها؟
لماذا ظهرت في هذا التوقيت؟
ومن المستفيد من انتشارها؟
هذه الأسئلة أصبحت ضرورة في زمن لم تعد فيه الحرب تقتصر على الجيوش.
إن معركة أكتوبر كانت معركة عسكرية حُسمت بالسلاح والإرادة والتخطيط.
أما معركة اليوم فهي معركة على العقل والوعي والذاكرة.
وإذا كان المصريون قد استطاعوا في أكتوبر أن يحطموا خطًا عسكريًا ظن البعض أنه لا يُقهر، فإن عليهم اليوم أن يحطموا خطوطًا أخرى أكثر خفاءً؛ خطوطًا تمتد عبر الفضاء الإلكتروني والإعلام وشبكات التأثير.
شبكة العنكبوت لا تخيف إذا رأيتها.
الخطر الحقيقي أن تكون داخلها ولا تراها.
ولهذا سيظل أكتوبر أكثر من ذكرى.
سيظل اختبارًا لقدرة المصريين على معرفة عدوهم، وحماية وعيهم، والتمييز بين النقد الوطني والتوجيه الخارجي، وبين الاختلاف الطبيعي والعمل المنظم الذي يستهدف الدولة والمجتمع.
فالمعركة لم تعد فقط على الأرض.
المعركة الآن على الوعي.
ومن يفرط في وعيه، قد يخسر انتصاره دون أن يسمع صوت طلقة واحدة.







