بقلم: العميد دكتور محمد حجاب
*الخبير السياسي والعسكري*
أعاد حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال احتفال أكاديمية الشرطة بيوم الخريجين، في 15 أكتوبر 2026، طرح قضية تتجاوز حدود التصريحات المباشرة إلى مستقبل السلطة في مصر، والعلاقة بين استمرارية الدولة واستمرارية القيادة السياسية. فقد أكد الرئيس أنه سيواصل العمل حتى آخر يوم له في الحكم، مشيرًا إلى حجم العمل الذي شهدته الدولة منذ عام 2014، كما شدد على أهمية إعداد كوادر مؤهلة وذات كفاءة، في ظل التحديات الداخلية والإقليمية التي تواجه مصر. (1)
وفي تقديري أن أهمية هذا الحديث لا تكمن في اعتباره إعلانًا عن ترتيبات سياسية مقبلة، فلا توجد في التصريحات المعلنة أدلة كافية تسمح بهذا الاستنتاج، وإنما في أنه يفتح المجال أمام سؤال استراتيجي مهم: كيف يمكن ترسيخ قواعد مؤسسية تضمن استمرار الدولة واستقرارها، مع إتاحة المجال لتجديد القيادة السياسية وتداول السلطة وفقًا للدستور والإرادة الشعبية؟
فالدولة لا تُختبر فقط بقدرتها على تنفيذ خططها في ظل قيادة بعينها، وإنما أيضًا بقدرتها على مواصلة أداء وظائفها عندما تتغير القيادة، وبمدى رسوخ المؤسسات التي تنظم انتقال المسؤولية وتحافظ على استمرارية المصالح الوطنية. ومن هنا، فإن الحديث عن مستقبل السلطة ينبغي ألا يُختزل في البحث عن اسم الرئيس المقبل، بل يتعين أن ينصرف إلى طبيعة القواعد التي تحكم الوصول إلى المنصب، وشروط المنافسة عليه، وضمانات انتقاله بصورة سلمية ومنظمة.
## من استمرارية الدولة إلى استمرارية المؤسسات
تقوم إحدى الإشكاليات الأساسية في النظم السياسية على التمييز بين استمرارية الدولة واستمرار القيادة. فاستمرارية الدولة ضرورة وطنية تتعلق بالحفاظ على الأمن القومي، ووحدة المؤسسات، وانتظام الخدمات العامة، وتنفيذ الالتزامات الداخلية والخارجية. أما استمرار القيادة السياسية، فهو مسألة مختلفة تخضع للقواعد الدستورية والانتخابات وحدود الولاية الرئاسية.
ولا يعني هذا التمييز أن تغيير القيادة يستلزم تغيير جميع السياسات، كما لا يعني أن استمرارية السياسات تقتضي بقاء الأشخاص أنفسهم في مواقعهم. فقد تستمر بعض السياسات لأنها حققت نتائج إيجابية، بينما تحتاج سياسات أخرى إلى المراجعة والتطوير استجابةً للمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والإقليمية. وهذه القدرة على الاستمرار والمراجعة معًا هي ما يمنح المؤسسات مرونتها ويحول دون تحول الاستقرار إلى مجرد جمود سياسي.
ومن هنا نستطيع أن نقول إن ترسيخ القواعد المؤسسية لتداول السلطة يبدأ عندما يصبح انتقال المسؤولية جزءًا طبيعيًا من عمل النظام السياسي، وليس حدثًا استثنائيًا تُثار بشأنه المخاوف مع اقتراب نهاية كل ولاية. فالمؤسسات القوية هي التي تضمن أن تتواصل وظائف الدولة بصرف النظر عن هوية شاغلي المناصب، وأن تُدار الاختلافات السياسية في إطار قانوني واضح، وأن تظل شرعية الحكم مرتبطة بالقواعد الدستورية والاختيار الشعبي.
## عام 2030 ومسؤولية الاستعداد المبكر
تكتسب هذه القضية أهمية خاصة مع اقتراب نهاية الولاية الرئاسية الحالية في عام 2030. وتنص المادة 140 من الدستور المصري، بصيغتها المعدلة عام 2019، على انتخاب رئيس الجمهورية لمدة ست سنوات ميلادية، وعلى عدم توليه الرئاسة لأكثر من مدتين رئاسيتين متتاليتين. كما تحدد المادة الإطار الزمني لبدء إجراءات الانتخابات وإعلان نتيجتها قبل انتهاء مدة الرئاسة. (2)
ويعني ذلك أن الإطار الدستوري يحدد القواعد المنظمة للولاية الرئاسية، لكن فاعلية هذه القواعد لا تتوقف على وجود النصوص وحدها، بل ترتبط أيضًا بمدى ترجمتها إلى ممارسة سياسية ومؤسسية واضحة. فوجود قواعد دستورية يمثل نقطة البداية، بينما يتطلب ترسيخها وجود حياة حزبية قادرة على إنتاج البدائل، ومنافسة انتخابية تتيح للمواطنين الاختيار، ومؤسسات تضمن سلامة الإجراءات واحترام نتائجها.
وفي هذا السياق، لا ينبغي التعامل مع الاستعداد لعام 2030 باعتباره بحثًا مبكرًا عن خليفة للرئيس، وإنما باعتباره فرصة لمناقشة قدرة النظام السياسي على إدارة الانتقال وفق قواعد مستقرة. فالتجارب السياسية تكشف أن غياب المنافسة المنظمة أو ضعف المؤسسات الوسيطة قد يجعل الانتقال أكثر حساسية، حتى عندما تكون الإجراءات الدستورية محددة. أما وجود بدائل سياسية واضحة، فإنه يتيح للمجتمع مناقشة البرامج والسياسات بدلًا من حصر النقاش في الأشخاص.
ولذلك فإن الاستعداد المؤسسي لا يعني افتراض حدوث أزمة، بل العمل على منع الأزمات من خلال وضوح القواعد، وتحديد المسؤوليات، وتوفير الضمانات التي تجعل انتقال السلطة عملية منتظمة يمكن التنبؤ بإجراءاتها، حتى إن تعذر التنبؤ بنتيجتها الانتخابية.
## إعداد الكوادر لا يكفي وحده لتجديد النخبة السياسية
تضمن حديث الرئيس تأكيدًا على ضرورة إعداد كوادر مؤهلة وذات كفاءة، وهي مسألة ترتبط بقدرة الدولة على تحسين الأداء الإداري ومواجهة أوجه القصور داخل مؤسساتها. غير أن إعداد الكوادر الإدارية، على أهميته، لا يمثل وحده بديلًا عن تجديد النخبة السياسية أو ترسيخ قواعد تداول السلطة.
فالكفاءة الإدارية تعني امتلاك الخبرة والقدرة على تنفيذ السياسات وإدارة الموارد، بينما تتطلب القيادة السياسية، إلى جانب الكفاءة، القدرة على طرح برنامج عام، والتواصل مع المواطنين، وتحمل المسؤولية أمامهم، والمنافسة في إطار دستوري. ومن ثم، فإن إعداد القيادات داخل مؤسسات الدولة ينبغي أن يتكامل مع تطوير الأحزاب السياسية، وتوسيع فرص المشاركة، وإتاحة المجال أمام ظهور قيادات جديدة قادرة على تقديم تصورات مختلفة لإدارة الشأن العام.
وفي تقديري أن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في اختيار مسؤولين أكفاء، وإنما في بناء منظومة سياسية تسمح بتجدد القيادات وفق معايير معلنة، وتوفر للمجتمع فرصًا حقيقية للمفاضلة بين البرامج والبدائل. فالمؤسسات لا تصبح أكثر رسوخًا بمجرد امتلاكها كوادر جيدة، وإنما أيضًا عندما تعمل وفق قواعد واضحة للاختيار والمساءلة وتداول المسؤولية.
ومن هنا، فإن تطوير الحياة الحزبية يمثل أحد المداخل المهمة لترسيخ التداول المؤسسي. فالأحزاب ليست مجرد كيانات تخوض الانتخابات، بل يفترض أن تكون مدارس لإعداد القيادات، وصياغة البرامج، والتعبير عن المصالح الاجتماعية، وتقديم بدائل يمكن اختبارها من خلال الممارسة السياسية. وكلما اتسعت قدرتها على أداء هذه الوظائف، أصبح المجال السياسي أكثر استعدادًا للتجديد المنظم.
## الأمن القومي والاستقرار السياسي
لا يمكن فصل مستقبل تداول السلطة في مصر عن البيئة الإقليمية التي تتحرك فيها الدولة. فقد أشار الرئيس في حديثه إلى المخاطر المحيطة بالحدود المصرية، وإلى أهمية دور القوات المسلحة والشرطة في حماية البلاد واستقرارها، في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة. (3) وتفرض هذه البيئة على الدولة ضرورة الحفاظ على جاهزية مؤسساتها، وتماسك جبهتها الداخلية، وقدرتها على التعامل مع التهديدات الأمنية.
لكن حماية الأمن القومي وترسيخ قواعد تداول السلطة ليسا هدفين متعارضين بالضرورة. فالأمن يتطلب مؤسسات قادرة على أداء وظائفها بكفاءة، كما يتطلب الاستقرار السياسي وجود قنوات دستورية لإدارة الاختلاف والمنافسة. ولا ينبغي الخلط بين التهديدات التي تستهدف الدولة وبين التنافس السياسي الذي يجري في إطار القانون؛ فالمعارضة السلمية وتعدد البرامج لا يمثلان، في حد ذاتهما، انتقاصًا من استقرار الدولة.
وفي المقابل، فإن المنافسة السياسية لا يمكن أن تؤدي دورها المؤسسي ما لم تلتزم بقواعد القانون وتحترم مؤسسات الدولة وحقوق المواطنين. ومن ثم، فإن المطلوب هو بناء توازن يضمن حماية الدولة من التهديدات، مع توفير المجال اللازم للتنافس السياسي السلمي، بحيث تصبح المؤسسات الدستورية هي الإطار الذي ينظم الاختلاف ويمنع تحوله إلى صراع على شرعية الدولة ذاتها.
وهكذا، فإن الاستقرار الأكثر رسوخًا هو الذي يستند إلى كفاءة المؤسسات والثقة في القواعد المنظمة للحياة السياسية، وليس فقط إلى قدرة الدولة على احتواء الأزمات بعد وقوعها.
## ما الذي يتطلبه ترسيخ التداول المؤسسي؟
إن الانتقال من الحديث العام عن تداول السلطة إلى ترسيخ قواعده عمليًا يتطلب مسارًا متكاملًا. أوله الالتزام الواضح بالمواعيد والاستحقاقات الدستورية، بحيث تظل القواعد المنظمة للولاية الرئاسية والانتخابات مرجعية ثابتة لإدارة الانتقال. وثانيه تطوير بيئة المنافسة السياسية، بما يتيح للأحزاب والمرشحين عرض برامجهم والتواصل مع المواطنين في إطار من تكافؤ الفرص واحترام القانون.
أما المسار الثالث، فيتعلق بتعزيز استقلالية وفاعلية المؤسسات المعنية بإدارة العملية الانتخابية والرقابة عليها، وضمان شفافية الإجراءات وإتاحة سبل التظلم وفقًا للقانون. فالثقة في الانتخابات لا تتشكل من إعلان النتائج وحده، بل من وضوح القواعد، ونزاهة الإجراءات، وإمكانية التحقق من سلامتها.
ويتمثل المسار الرابع في تطوير المؤسسات الوسيطة، وفي مقدمتها الأحزاب والبرلمان والإعلام، بما يعزز النقاش العام حول السياسات والبرامج، ويساعد على إعداد قيادات قادرة على تحمل المسؤولية. ولا يقل عن ذلك أهمية ترسيخ مبدأ المساءلة، بحيث تخضع السياسات العامة للتقييم، ويظل من الممكن مراجعتها عندما لا تحقق أهدافها.
وفي هذا الإطار، فإن نجاح التداول المؤسسي لا يقاس بمجرد حدوث تغيير في شاغل المنصب، وإنما بمدى انتظام العملية، واحترام القواعد، وقبول نتائج المنافسة، واستمرار المؤسسات في أداء وظائفها. فالتغيير الذي لا يستند إلى مؤسسات واضحة قد يفتح الباب أمام اضطراب جديد، بينما يسمح التداول المنظم بتجديد القيادة دون التضحية باستمرارية الدولة.
## الخلاصة
في تقديري أن حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي عن مواصلة العمل حتى آخر يوم في الحكم يعبر، في حدوده المعلنة، عن تأكيد استمرارية العمل والسياسات القائمة خلال الولاية الحالية، لكنه لا يقدم بمفرده إجابة عن مستقبل تداول السلطة في مصر، ولا يكفي للاستدلال على وجود ترتيبات محددة للمرحلة التالية.
وتبقى القضية الأهم هي مدى قدرة النظام السياسي على تحويل القواعد الدستورية إلى ممارسة مؤسسية مستقرة، تسمح بتجديد القيادة، وتضمن المنافسة السياسية السلمية، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرارية مؤسسات الدولة ومصالحها الوطنية. فالدولة القوية ليست تلك التي تتجنب التغيير، وإنما تلك التي تستطيع إدارته وفق قواعد واضحة، وتحول دون ارتباط استقرارها بمصير شخص أو قيادة بعينها.
ولذلك فإنه من المؤكد أن ترسيخ قواعد مؤسسية لتداول السلطة لا يمثل شأنًا انتخابيًا محدودًا، بل هو جزء من بناء الدولة الحديثة، وتعزيز شرعيتها، وتوسيع قدرتها على الاستجابة لمطالب المجتمع ومواجهة التحديات الإقليمية. وإذا كانت استمرارية الدولة هدفًا وطنيًا، فإن ضمان انتقال المسؤولية بصورة دستورية ومنظمة هو أحد الشروط التي تساعد على تحقيق هذا الهدف.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يحكم النقاش خلال المرحلة المقبلة: **كيف يمكن بناء نظام سياسي يضمن استمرارية الدولة، ويتيح في الوقت نفسه تجديد القيادة وتداول السلطة عبر مؤسسات وقواعد دستورية تحظى بالثقة والاحترام؟** إن الإجابة لن تتحدد بالتصريحات وحدها، وإنما بما ستشهده الحياة السياسية والمؤسسات الدستورية من ممارسات تؤكد أن تداول السلطة ليس مصدرًا للقلق، بل آلية طبيعية لاستمرار الدولة وتجديد شرعيتها.
—
### الهوامش والمصادر
(1) «السيسي: مستمر في العمل حتى آخر يوم لي بالحكم»، *مصراوي*، 15 أكتوبر 2026، https://www.masrawy.com/news/news_egypt/details/2026/10/15/3063245/السيسي-مستمر-في-العمل-حتى-آخر-يوم-لي-بالحكم.
(2) جمهورية مصر العربية، *دستور جمهورية مصر العربية*، المادة 140، بصيغتها المعدلة عام 2019، الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية، https://www.presidency.eg/media/46122/دستور-جمهورية-مصر-العربية-2019.pdf.
(3) «ننشر نص كلمة الرئيس السيسي خلال احتفال أكاديمية الشرطة بيوم الخريجين»، *الشروق*، 15 أكتوبر 2026، https://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=15102026&id=1e4a2ccb-c341-481e-b748-b27a58983de4.






