هل انتهت الأمية؟


بقلم: علاء الشيخ

 

لطالما ارتبط مفهوم “الأمية” بالعجز عن القراءة والكتابة، وكان يُنظر إليها بوصفها آفة اجتماعية تعيق التنمية وتُقيد الأفراد في دوائر الفقر والتهميش.

وقد حققت البشرية خلال العقود الماضية إنجازات هائلة في مكافحة هذه الأمية التقليدية، فارتفعت نسب المتعلمين حول العالم، وانتشرت المدارس، وساهمت التكنولوجيا في تقريب المعرفة من الجميع.

 

لكن، ومع بداية القرن الحادي والعشرين، برزت أمامنا أمية من نوع جديد، أكثر خفاءً وتأثيرًا، لا تُقاس بعدد الأحرف التي نعرفها، بل بقدرتنا على التعامل مع سيل هائل من المعلومات والبيانات، وتحليلها، واستخدامها بوعي. إنها “الأمية المعلوماتية”.

 

في عالمٍ تتدفّق فيه المعلومات من كل اتجاه، بات من الممكن أن يقرأ الإنسان ويكتب، لكنه يظل عاجزًا عن التمييز بين المعلومة الصحيحة والمضلّلة، أو عن استخدام محركات البحث بكفاءة، أو تقييم مصادر الأخبار، أو حماية خصوصيته في الفضاء الرقمي. الأمية الجديدة لا تتعلّق بالمعرفة بقدر ما تتعلّق بالقدرة على الوصول إليها، وفهمها، وتوظيفها بطريقة نقدية وفعالة.

 

إن مواجهة الأمية المعلوماتية لم تعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية في زمن تتقاطع فيه القرارات السياسية، والتوجهات المجتمعية، وحتى القيم الأخلاقية، مع ما نستهلكه من محتوى رقمي. والأخطر من ذلك، أن الجهل بالمعلومة الصحيحة لا يؤدي فقط إلى الفشل الفردي، بل قد يقود إلى انتشار الشائعات، وخطابات الكراهية، وتضليل المجتمعات.

 

المدارس والجامعات لم تعد كافية وحدها. نحن بحاجة إلى برامج وطنية تضع محو الأمية المعلوماتية في صلب أولوياتها، عبر تدريب الأفراد – صغارًا وكبارًا – على مهارات التفكير النقدي، والبحث الذكي، وأخلاقيات التعامل مع المحتوى الرقمي، وأساليب الحماية من الاحتيال الإلكتروني.

 

لقد انتهى عصر الأمية التي تُقاس بالحروف، وبدأ عصر الأمية التي تُقاس بالوعي. ومن لم يتعلم كيف يقرأ العالم من حوله، وكيف يفكك الرسائل التي يتلقاها كل يوم، فقد يقرأ ويكتب، لكنه يظل أميًا… في زمنٍ لا يرحم من لا يعرف كيف يسأل السؤال الصحيح.

  • Related Posts

    بالمستندات والقرارات الرسمية هل تُسقط نصوص القانون حملة التشكيك فى إيناس النحاس؟

    كتب / علاء الشيخ    قرار «التنظيم والإدارة» رقم 22 لسنة 2019 يضع شروطًا محددة لشغل وظائف الموارد البشرية.. وبطاقة الوصف الوظيفي وقرار الندب رقم 488 لسنة 1970 يفتحان بابًا…

    رئيس هيئة التأمين الصحي يتفقد مستشفى المقطم.. 10 غرف عمليات و12 ماكينة للغسيل الكلوي ومتابعة لبرامج زراعة الأعضاء

    كتب /علاء الشيخ  الدكتور تامر مدكور يتابع جاهزية الأقسام الطبية ويوجه بتعزيز الكوادر بقسم الأشعة.. وإدارة المستشفى تواصل جهودها لضمان انتظام الخدمات ورفع كفاءة التشغيل أجرى الأستاذ الدكتور تامر عاطف…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *