بقلم /سبيله عبد الوهاب
بين دموع الخيبة وعناق الهدف.. عندما أعدنا اكتشاف “الوطن” في تسعين دقيقة
لم تكن مجرد مباراة كرة قدم، ولم تكن الشاشات تنقل تسديدة في شباكٍ من شباك الملاعب. في تلك الليلة، كنا نبحث عن شيء آخر تماماً. شيء ضاع منا في دهاليز الكلام المنمق عن “العالم الحر”، و”العدالة الدولية”، وشعارات “الرأي الحر” التي سقطت أقنعتها واحداً تلو الآخر، لتترك في قلوبنا غصة من خيبة الأمل، وشعوراً ثقيلاً بالخزي من مجتمع دولي يرى بعين واحدة.
وسط هذا الإحباط والوجع المستتر، جئنا إلى المباراة ونحن نحمل أثقالاً تفوق حجم المستطيل الأخضر. لم نكن ننتظر خططاً تكتيكية ولا أداءً عبقرياً، كنا ننتظر متنفساً.
ومع الهدف الأول للمنتخب.. اهتز شيء ما في عمق الروح.
في تلك الليلة بالذات، أوشكتُ أن أبكي. لم يكن بكاء حزن، بل كان فيضاً من مشاعر مكبوتة وجدت طريقها فجأة إلى النور. شعرت بفرحة عارمة، فرحة مادية ملموسة، تمنيت لو كان لها جسد ليرتمي في أحضاني وأحتضنه بكل ما أوتيت من قوة.
كان إحساساً يشبه إحساس المشتاق لأول فرحة في حياته.. وكأنني، بكل ما عشته من أيام، لم أفرح من قبل!
فجأة، انقشع ضباب الإحباط العالمي، وذاب الخذلان الذي يحيط بنا من كل جانب، وتكثفت كل معاني “حب الوطن” في تلك الصرخة العفوية التي خرجت من الصدور.
التفتُّ حولي، وأخذتُ أنظر في عيون من يشاركونني المكان. تفرست في ملامحهم، وفي نبضات قلوبهم التي كانت تكاد تُسمع. وهنا كانت الصدمة الجميلة.. الصدمة التي هزت وجداني.
لم أكن وحدي من يشعر بهذا الفيضان الإنساني. رأيت في عيونهم جميعاً نفس الوميض. رأيت رجلاً يداري دمعته، وشاباً يصرخ وكأنه يفك قيوداً غير مرئية و سيدات تهتز الارض من تحت اقدامهم من شدة الفرحه . كنا جميعاً، بلا استثناء، مشتركين في نفس الشعور. كنا نقتسم الفرحة المستترة خلف تلال الإحباط.
لقد كشفت لنا هذه المباراة أن حبنا لأوطاننا ليس مجرد شعار، بل هو الملاذ الأخير. فعندما يخذلنا “المجتمع الدولي” بعدالته الزائفة، نعود لينبض قلبنا معاً، لنبكي معاً، ولنكتشف أن الفخر الحقيقي ليس في اعتراف العالم بنا، بل في هذا الرابط الخفي والعميق الذي يجمعنا تحت راية واحدة، وفي قدرتنا على صياغة الفرح من قلب الخيبة.
وفي نهاية تلك التسعين دقيقة، التقطنا أنفاسنا لنكتشف الحقيقة الأجمل؛ أن كل هذه المشاعر لم تكن وليدة اللحظة، بل هي مصر التي تسكننا وتجري في عروقنا.
يا بلادي، يا مصر.. في الوقت الذي يضيق فيه العالم بالعدالة، يتسع حضنك ليرمّم انكساراتنا. حبك ليس مجرد انتماء جغرافي، بل هو نبضات الفرح الخالص التي تسري في قلوبنا حين يرفع اسمك عالياً. أنتِ الفخر الذي نلوذ به من خيبات المجتمع الدولي، وأنتِ الفرحة الأولى والأخيرة التي تمنحنا القوة لنقف من جديد.
ستبقين دائماً النبض الذي يجمعنا، والبيت الذي نعود إليه كلما أرهقنا زيف هذا العالم. عاشت مصر بقلوبنا، نابضة بالفخر، وعظيمة بأبنائها.





