أجساد تنازع الموت لتصنع البهجة

بقلم الكاتبه/ سبيله عبد الوهاب 

#الوجه_الآخر_للسعادة

  •  أجساد تنازع الموت لتصنع البهجة

يقال في الأمثال الشعبية “كل إناء بما فيه ينضح”، لكن الواقع والظروف القاسية أثبتت زيف هذه المقولة في كثير من الأحيان.

 فهناك أوانٍ متألمة حتى النخاع، لكنها لا تنضح إلا سعادة للآخرين. هناك عيون تبكي دماً من الداخل، بينما ترتسم على الشفاه ابتسامة عريضة. وهناك أجساد تنازع خروج الروح من فرط الإنهاك، لكنها تبدو للناظرين راقصة، ومرحة، ومفعمة بالحياة.

في زمن أصبحت فيه لقمة العيش مغمسة بالتعب، يضطر الكثير من الشباب المكافحين إلى امتهان وظائف ظاهرها الرحمة والفرح، وباطنها العذاب والشقاء المكتوم. وظائف تطلب منهم التخلي عن آدميتهم وملامحهم وسحب الهواء من رئاتهم، ليتحولوا إلى مجرد “أدوات ترفيه” يصفق لها الجمهور، دون أن يدرك أحد حجم المعاناة القابعة خلف ذاك الستار.

تتجلى هذه المأساة الصادمة بأبشع صورها في هذه الصورة والتي تروي فصلاً أليماً لرحيل شاب مكافح. شاب لم يكن مجرماً ولا سارقاً، بل كان يسعى وراء رزقه الحلال بشرف وكبرياء.

مات هذا الشاب داخل مجسم (عروسة غوريلا) مغلق تماماً وخالٍ من أي منفذ للتهوية، تحت أشعة شمس الصيف الحارقة والخانقة. كان يرقص ويتحرك ويبذل آخر ذرات طاقته من أجل إسعاد الأطفال وزوار المكان، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة داخل هذا السجن الفروي الثقيل.

لم تكن الوفاة هي الصدمة الوحيدة؛ بل المشهد السريالي المرعب الذي تظهره الصورة حيث وقف الأطفال والمارة يبتسمون ويصورونه بهواتفهم وهو يسقط ويتلوى على الأرض. ظنوا جميعاً أنه يمازحهم، وأنه يتقن دوره الترفيهي ببراعة، ولم يدركوا قط أنه في تلك اللحظات كان يودع الحياة، ويختنق من شدة الإرهاق والكتمة. لقد صفقوا للموت ظناً منهم أنه استعراض!

إن هذا الحادث الأليم ليس مجرد قصة عابرة، بل هو جرس إنذار ومناشدة لضمير كل إنسان:

 ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء

 خلف كل قناع يرقص في الملاهي، أو في المولات، أو في افتتاحات المحلات، إنسان يحمل هموماً، وتعباً، وغُلباً لا يعلمه إلا الله.

  هؤلاء الشباب لا يطلبون شفقة، بل يطلبون تقديراً واحتراماً، وبيئة عمل آدمية تحميهم من الموت اختناقاً أو إنهاكاً.

 علينا أن نعلّم أطفالنا وأنفسنا أن من يرتدي هذه المجسمات هو بشر مثلنا، يشعر بالحر، والتعب، والعطش، وليس مجرد دمية متحركة لا تنضب طاقتها.

رحم الله ذلك الشاب المكافح الذي مات شهيداً للقمة العيش والحلال، وجعل صبره وسعيه في ميزان حسناته، ولتكن قصته درساً لنا جميعاً لننظر بعين الرحمة والوعي إلى “الوجه الآخر للسعادة”.

  • Related Posts

    التحضير النفسي للممثل وكيف ينعكس أداؤه على وعي الجمهور

    بقلم المخرج / محمد حافظ  أنت حين تقف على خشبة المسرح أو أمام الكاميرا لا تنقل كلمات مكتوبة بل تنقل روحا ومشاعر تتطلب تحضيرا نفسيا عميقا التحضير النفسي للممثل ليس…

    لسنا بخير

    بقلم / د. محمد العليمي من الذي قرر أن عبارة “أنا بخير” يجب أن تكون الرد الرسمي على كل سؤال عابر عن أحوالنا؟ من الذي اخترع هذه الكذبة الأنيقة التي…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *