هل يُؤجَر الإنسان على فعل الحرام؟

بقلم /سبيله عبد الوهاب 

سؤال قد يبدو صادماً، مستهجناً، بل وقد يراه البعض ضرباً من الخبل الفقهي. وقبل أن تتسارع دقات القلوب إنكاراً، دعوني أُعجل بالجواب: نعم!

​ليست هذه فتوى شرعية، فلا أنا بمفتٍ ولا هذا مقام إفتاء بل هي صرخة مكتومة.. 

صرخة أٌطلقها في وجه مشروع قانون الاحوال الشخصية الجديد، الذي يبدو أنه كُتب بأقلام غفلت عن واقع الأرض، ليتجاوز في بعض بنوده حدود الشريعة السمحاء، ويُعقّد ما يسّره الله، ويسهّل ما عسّره.

​حين سُئل النبي ﷺ عن قضاء الشهوة في الحلال، قال: “أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر”. هذا هو الأصل

 أن يُكافأ الإنسان لأنه اختار الباب الصعب العفيف (الحلال)، وأغلق الباب السهل الخبيث (الحرام). 

لكن يبدو أن القانون الجديد جاء ليقلب الآية، ويجعلنا نتساءل مجازاً: هل سنُؤجر على الحرام لأن القوانين جعلت الحلال مستحيلاً؟!

​إن المتأمل في بنود هذا المشروع يرى بوضوح كيف تحول “عقد الزواج” – الذي سماه الله ميثاقاً غليظاً – إلى ما يشبه حقل الألغام قضائي و مالي.

 رسوم تُفرض تحت مسميات شتى، وصناديق تُلزم الشباب بمدخرات لا يملكونها، وشروط وضمانات تعجيزية تُشعر الشاب المقبل على العفة وكأنه يدخل منصة استجواب أو قفص اتهام قبل أن تبدأ الحياة المشتركة.

​لقد وضع المشرّع العراقيل والأغلال في طريق الحلال، ونأى بالشباب عن فكرة بناء الأسرة. 

وفي المقابل، نسى أو تناسى أن التضييق على الحلال لا يعني فناء الرغبة البشرية، بل يعني فتح أبواب الحرام على مصراعيها.

 حين يصبح الزواج عبئاً مادياً وقانونياً لا يُطاق، تصبح “العلاقات العابرة” والزنا – بكل أسف – الخيار الأيسر، والأقل كلفة، والأسرع منالاً!

​هل تدرك الجهات التي صاغت هذا القانون حجم الكارثة الأخلاقية والاجتماعية عندما يصبح الحرام أسهل من الحلال؟ إن تيسير الفاحشة ليس فقط عبر تشريعها، بل عبر تَعسير البديل الشرعي لها.

 الشريعة الإسلامية ما جاءت إلا للتيسير ولحفظ النسل والعرض، وبعض بنود هذا القانون تفعل النقيض تماماً؛ تصطدم بالنصوص الشرعية التي تنظم العلاقة بين الرجل والمرأة بالمعروف، وتخلق حالة من الندية والترهيب المتبادل.

​إننا لا نطالب بقانون يهدر حقوق المرأة أو يظلم الطفل، بل نطالب بقانون يحمي “الأسرة” ككيان متكامل، قانون لا يرى في الرجل متواطئاً بالفطرة، ولا في المرأة ضحية أبدية، قانون يدرك خطورة الواقع الاقتصادي الذي يعيشه شبابنا اليوم.

​ارحموا شباباً يصارع الفتن ليبقى عفيفاً. لا تجعلوا من “الميثاق الغليظ” صكاً للتعجيز، فكل عثرة تضعونها في طريق شاب يريد الحلال، هي خطوة تدفعونه بها – مجبراً أو يائساً – نحو منحدر الحرام.

 اتقوا الله في شريعة يسرت، ولا تكونوا عوناً للشيطان على أبنائنا.

  • Related Posts

    استعادة “زمن الفن الجميل”: ضرورة حضارية لحماية هوية المجتمع

    بقلم اللواء / أحمد بدر كثيرًا ما تتوق أنفسنا إلى استعادة ألق “زمن الفن الجميل”، ذلك الفن الذي لم يكن مجرد وسيلة للترفيه، بل كان ركيزة أساسية شكلت وجدان المجتمع…

    منتخب المستحيل: ملحمة مصرية في كأس العالم 2026

    بقلم اللواء / أحمد بدر  ما قدمه المنتخب القومي المصري في بطولة كأس العالم 2026 لم يكن كالمعتاد، فقد تجاوزنا بفضل الله مقولة ‘التمثيل المشرف’ إلى مرحلة ‘الأداء المشرّف والمُشرق’.…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *