وليد خضر — متخصص في الشؤون السياسية والعسكرية وهجمات الإعلام السيبراني،
وباحث في مفاهيم الجرثومة الإعلامية والكبسولة الإعلامية وأمن المعلومات في البيئة الإعلامية.
لم تعد المعركة الإعلامية في العصر الرقمي تدور فقط حول من يمتلك المعلومة، وإنما أصبحت تدور حول سؤال أخطر: من يمتلك القدرة على إعادة صياغة المعلومة والسيطرة على مسار انتشارها؟
ففي الماضي كانت المعلومة تبدأ غالبًا من مصدر، ثم تنتقل إلى المحرر، ومنه إلى غرفة الأخبار، وبعد عمليات التحقق والتحرير والنشر تصل إلى الجمهور. أما اليوم فقد انهارت هذه السلسلة التقليدية، وأصبحت المعلومة قادرة على القفز فوق غرف الأخبار بالكامل، لتنتقل من حساب إلى آخر، ومن منصة إلى أخرى، ومن منشور إلى فيديو، ومن تعليق إلى عنوان صحفي، ثم تعود مرة أخرى إلى وسائل الإعلام التقليدية في صورة «خبر متداول».
هنا يظهر ما أطلق عليه في إطار بحثي «الافتراس المعلوماتي للصياغة الصحفية».
فالافتراس المعلوماتي لا يعني مجرد سرقة معلومة أو إعادة نشر خبر، وإنما يعني استيلاء منظومة التداول الرقمي على المعلومة وصياغتها وسياقها ومسار انتشارها، ثم إعادة إنتاجها مرات متتالية، بحيث تصبح النسخة الجديدة أكثر تأثيرًا من النسخة الأصلية، وقد ينتهي الأمر بأن يفقد المصدر الأول قدرته على التحكم في المعنى الذي خرجت به المعلومة إلى الجمهور.
عندما تلتهم المعلومة نفسها
قد تبدأ القصة بجملة واحدة على حساب في إحدى منصات التواصل الاجتماعي.
الجملة قد تكون ناقصة، أو غير دقيقة، أو مبنية على معلومة صحيحة وضعت في سياق مضلل.
يلتقطها حساب آخر.
يعيد صياغتها.
يضيف إليها معلومة ثانية.
ثم يأتي حساب ثالث ليضع عنوانًا أكثر إثارة.
ثم تتحول إلى فيديو قصير.
ثم إلى منشور واسع الانتشار.
ثم تلتقطها صفحات إخبارية.
وبعد ذلك قد تصل إلى مؤسسة إعلامية تقليدية باعتبارها «موضوعًا متداولًا على مواقع التواصل».
في هذه اللحظة تكون المعلومة قد قطعت دائرة كاملة.
السوشيال ميديا صنعت المادة، ثم أعاد الإعلام التقليدي منحها شرعية الخبر.
وهنا تكمن الخطورة.
لأننا لم نعد أمام عملية نقل معلومات، وإنما أمام تسلسل معلوماتي تتحول فيه كل نسخة من المعلومة إلى مادة خام للنسخة التالية.
كل ناقل يضيف شيئًا.
كل إعادة صياغة تغير شيئًا.
كل عنوان يرفع درجة الإثارة.
وكل منصة تمنح المعلومة جمهورًا جديدًا.
حتى نصل في النهاية إلى خبر قد لا يشبه إطلاقًا المعلومة التي بدأ منها.
من الخبر إلى الهجوم
الأكثر خطورة أن هذا التسلسل يمكن توظيفه في صناعة ما أسميه هجمات الإعلام السيبراني.
فالاختراق هنا لا يستهدف بالضرورة موقعًا إلكترونيًا أو قاعدة بيانات.
قد يكون الهدف هو سلسلة إنتاج المعلومة نفسها.
يتم إطلاق معلومة أولية، أو استثمار معلومة موجودة بالفعل، ثم دفعها داخل شبكة من الحسابات والمنصات، بحيث تقوم كل حلقة من حلقات الشبكة بمهمة محددة: إعادة صياغة، تضخيم، إضافة، اجتزاء، إثارة، أو إعادة نشر.
ومع سرعة الخوارزميات يصبح الانتشار أسرع بكثير من قدرة المؤسسات الصحفية على التحقق.
وهنا تتحول السرعة نفسها إلى سلاح.
فالخبر الذي يحتاج إلى ساعات داخل غرفة الأخبار للتحقق منه قد يحتاج إلى دقائق فقط حتى يصبح «حقيقة متداولة» على الإنترنت.
وعندما تصل المؤسسة الإعلامية إلى المعلومة، قد تجد أن الجمهور سبقها إليها بملايين المشاهدات والمشاركات.
عندما يصبح التفاعل مصدرًا للخبر
المشكلة الأكبر أن بعض غرف الأخبار بدأت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في التعامل مع حجم التفاعل باعتباره مؤشرًا على أهمية المعلومة.
وهنا تحدث المفارقة.
بدلًا من أن يكون الخبر هو الذي يصنع التفاعل، يصبح التفاعل هو الذي يصنع قيمة الخبر.
وهذه نقطة شديدة الخطورة في البيئة الإعلامية الجديدة.
فالمعلومة الأكثر انتشارًا ليست بالضرورة المعلومة الأكثر صحة.
والخبر الأكثر تداولًا ليس بالضرورة الخبر الأكثر أهمية.
والصياغة التي تحقق ملايين المشاهدات قد تكون في بعض الأحيان مجرد نتيجة لعنوان صادم أو محتوى مجتزأ أو حملة منظمة للتضخيم.
لكن بمجرد وصولها إلى مستوى معين من الانتشار، تبدأ عملية أخرى:
«بما أن الجميع يتحدث عنها، إذن لا بد أنها مهمة».
وهكذا يتحول الانتشار إلى وسيلة لمنح المعلومة شرعية لم تكن تمتلكها في البداية.
الافتراس لا يسرق النص فقط.. بل يسرق المعنى
الجانب الأكثر تعقيدًا في الافتراس المعلوماتي هو أنه لا يستهدف الكلمات وحدها.
إنه قد يلتهم السياق.
قد تكون المعلومة الأصلية صحيحة، لكن حذف جملة واحدة منها يمكن أن يغير معناها بالكامل.
وقد تكون الصورة حقيقية، لكن وضعها بجوار حدث آخر يمنحها دلالة مختلفة.
وقد يكون التصريح صحيحًا، لكن اجتزاء جزء منه وتحويله إلى عنوان قد ينتج معنى لم يقصده صاحبه.
ومع كل إعادة إنتاج للمادة، يمكن أن تضيع طبقة جديدة من السياق.
حتى تصبح النسخة الأخيرة من الخبر أكثر إثارة، لكنها أقل ارتباطًا بالحقيقة الأصلية.
وهنا تتحول الصياغة الصحفية نفسها إلى هدف للافتراس المعلوماتي.
لماذا أصبحت السوشيال ميديا أقوى من الإعلام التقليدي في بعض اللحظات؟
لأنها لا تعمل وفق إيقاع غرفة الأخبار.
غرفة الأخبار لديها محرر، ومراجع، وسياسة نشر، ومسؤولية مهنية، ووقت للتحقق.
أما المنصات الرقمية فتعمل وفق منطق مختلف:
السرعة، التفاعل، الانتشار، الخوارزمية.
ولهذا يمكن لمنشور واحد أن يصل إلى جمهور ضخم قبل أن تنتهي المؤسسة الإعلامية من كتابة مقدمة الخبر.
ثم تأتي المفارقة الأخطر:
وسائل الإعلام التقليدية نفسها قد تضطر إلى متابعة ما يحدث على المنصات الرقمية حتى لا تبدو متأخرة عن الحدث.
وبذلك تصبح السوشيال ميديا ليست فقط ناقلًا للأخبار، وإنما محددًا لأجندة الأخبار.
ومن هنا تبدأ إعادة توزيع القوة داخل النظام الإعلامي.
من يسبق إلى الصياغة يملك جزءًا من الحقيقة
في البيئة الرقمية لم تعد السيطرة على المعلومة تبدأ عند لحظة نشرها.
السيطرة تبدأ عند الصياغة الأولى.
لأن أول صياغة ناجحة يمكن أن تصبح القالب الذي تعيد بقية المنصات إنتاج المعلومة من خلاله.
وإذا نجحت هذه الصياغة في الانتشار، فإن كل من يأتي بعدها قد يقوم بتعديلها دون أن يعود إلى المصدر الأصلي.
وهكذا تتحول الصياغة الأولى إلى «مرجع غير معلن».
وهنا يمكن أن تبدأ أخطر مراحل الهجوم الإعلامي السيبراني:
صناعة إطار ذهني للمعلومة قبل أن تبدأ عملية التحقق منها.
فإذا تم إقناع الجمهور منذ البداية بأن الحدث يعني شيئًا معينًا، فإن تصحيح المعلومة لاحقًا قد لا يمحو الانطباع الأول.
وهذا يجعل معركة الإعلام الحديث ليست فقط معركة على الحقيقة، وإنما معركة على الانطباع الأول عن الحقيقة.
من الجرثومة الإعلامية إلى التسلسل المعلوماتي
وهنا يمكن فهم العلاقة بين مفهوم «الجرثومة الإعلامية» وبين الافتراس المعلوماتي.
الجرثومة قد تبدأ بمعلومة صغيرة، لكنها تمتلك قابلية عالية للانتشار وإعادة الإنتاج.
وبمجرد دخولها إلى البيئة الرقمية المناسبة، تبدأ في الانتقال من منصة إلى أخرى، ومن حساب إلى آخر، مع تغيرات مستمرة في الصياغة والسياق.
أما «الكبسولة الإعلامية» فيمكن أن تمثل في المقابل إحدى أدوات بناء الاستجابة الدفاعية؛ أي القدرة على احتواء المعلومة وتحليل مسارها قبل أن تتحول إلى موجة يصعب السيطرة عليها.
وهنا يصبح فهم مسار المعلومة أكثر أهمية من مجرد فحص المعلومة في لحظة واحدة.
السؤال لم يعد فقط:
هل الخبر صحيح؟
بل أصبح:
من أطلقه؟ كيف تغيرت صياغته؟ من أعاد إنتاجه؟ ما الحسابات التي ضخّمته؟ كيف انتقل بين المنصات؟ ومتى دخل الإعلام التقليدي إلى هذه السلسلة؟
هذه الأسئلة هي التي تكشف البنية الحقيقية للهجوم.
المعركة القادمة ستكون على مسار المعلومة
العالم يدخل مرحلة إعلامية لم تعد فيها المؤسسات وحدها قادرة على تحديد ما يراه الجمهور.
الخوارزميات تشارك في تحديد ما ينتشر.
الحسابات المؤثرة تشارك في تحديد ما يلفت الانتباه.
الجمهور نفسه يشارك في إعادة إنتاج الخبر.
والذكاء الاصطناعي يزيد قدرة أي طرف على إنتاج كميات هائلة من المحتوى خلال وقت قصير.
لذلك فإن الخطر القادم لن يكون فقط في الأخبار الكاذبة.
الخطر الأكبر قد يكون في الأخبار التي تبدأ بحقيقة صغيرة، ثم يتم افتراسها وإعادة تشكيلها حتى تتحول إلى حقيقة مشوهة ذات تأثير حقيقي.
وهنا تحديدًا يجب أن تتغير طريقة تعامل الصحفي مع البيئة الرقمية.
لم يعد كافيًا أن يعرف الصحفي كيف يتحقق من المصدر.
بل يجب أن يعرف كيف تحركت المعلومة قبل أن تصل إليه.
لأن تاريخ المعلومة قد يكون أحيانًا أهم من المعلومة نفسها.
وفي عصر هجمات الإعلام السيبراني، قد لا تكون المعركة الحقيقية هي من يمتلك الخبر.
المعركة هي من يملك القدرة على تحديد النسخة التي سيصدقها الجمهور من هذا الخبر.
وهنا يبدأ الفارق بين الإعلام الذي ينقل الأحداث، والإعلام الذي يفهم كيف تُصنع الأحداث داخل البيئة المعلوماتية.
وليد خضر
متخصص في الشؤون السياسية والعسكرية وهجمات الإعلام السيبراني، وباحث في مفاهيم الجرثومة الإعلامية والكبسولة الإعلامية وأمن المعلومات في البيئة الإعلامية.





