الإمارات تبدأ تصنيع السلاح.. وعائلة ترامب في المشهد

بقلم لواء  دكتور / محمد حجاب 

من سوق للسلاح إلى قاعدة إنتاج دفاعي.. كيف تعيد المسيّرات تشكيل الصناعات العسكرية في الخليج؟
لم تعد الإمارات العربية المتحدة مجرد واحدة من أكبر الأسواق الإقليمية لشراء الأسلحة والمنظومات الدفاعية، وإنما بدأت تتحول تدريجيًا إلى قاعدة لإنتاج التكنولوجيا العسكرية وتوطين الصناعات الدفاعية. ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة مع التطور الأخير المرتبط بشركة Powerus الأمريكية، التي بدأت إنتاج منظومات اعتراض للطائرات المسيّرة داخل منشأة في الإمارات، بالتزامن مع ارتباط الشركة باستثمارات من دونالد ترامب جونيور وإريك ترامب، نجلي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وهنا تتجاوز القضية مجرد صفقة سلاح أو مشروع صناعي، لتكشف عن تحول أوسع في طبيعة العلاقة بين الأمن الخليجي والصناعة العسكرية الأمريكية، وعن انتقال جزء من إنتاج السلاح نفسه إلى المنطقة.
وتأتي هذه التطورات في بيئة دولية تشهد توسعًا غير مسبوق في الإنفاق العسكري. فقد بلغ الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.887 تريليون دولار في عام 2025، بزيادة حقيقية قدرها 2.9% عن 2024، ليكون العام الحادي عشر على التوالي الذي يرتفع فيه الإنفاق العسكري عالميًا. وفي الشرق الأوسط وحده بلغ الإنفاق العسكري التقديري نحو 218 مليار دولار في 2025، بزيادة طفيفة عن العام السابق، بينما ارتفع الإنفاق العسكري في المنطقة خلال العقد 2016–2025 بنحو 36%. (SIPRI)
هذه الأرقام تفسر جانبًا مهمًا من التحول الجاري في الخليج. فكلما اتسع حجم الإنفاق العسكري، لم تعد القضية بالنسبة للدول الخليجية هي كمية الأسلحة التي تستطيع شراءها فقط، وإنما أصبحت تتعلق بالسؤال الأكثر استراتيجية: كم من هذه القيمة يمكن توطينه داخل الاقتصاد الوطني؟ ومن هنا بدأت دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات، تتحرك من نموذج شراء المعدات الأجنبية إلى نموذج أكثر تعقيدًا يجمع بين الاستيراد، ونقل التكنولوجيا، والتصنيع المحلي، والبحث والتطوير، ثم محاولة تصدير المنتجات الدفاعية إلى الخارج.
الإمارات.. من مستورد رئيسي إلى منتج دفاعي
يمثل صعود شركة EDGE Group أبرز دليل على هذا التحول. فقد أعلنت الشركة أن إيراداتها السنوية وصلت إلى نحو 4.9 مليار دولار في 2024، بينما قدر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام إيراداتها من الأسلحة بنحو 4.7 مليار دولار في العام نفسه، وهو ما وضعها ضمن قائمة أكبر 100 شركة لإنتاج الأسلحة والخدمات العسكرية في العالم. (SIPRI)
والأكثر دلالة أن EDGE لم تعد تعمل في مجال واحد؛ فهي تطور وتصنع منظومات تشمل الطائرات المسيّرة والذخائر والأسلحة الذكية والصواريخ والمنظومات البرية والبحرية، إضافة إلى مجالات الفضاء والأمن السيبراني. وتشير بيانات الشركة إلى أنها سجلت 7.96 مليار دولار من الطلبات الجديدة في 2025، مع وصول دفتر الطلبات المتراكم إلى نحو 20.4 مليار دولار، فضلًا عن تنفيذ أكثر من 68 مشروعًا للتحول إلى تقنيات الصناعة 4.0 في 28 منشأة إنتاجية، ما أدى إلى مضاعفة الطاقة الإنتاجية في 13 كيانًا تابعًا لها. (EDGE)
وتكشف هذه الأرقام أن الحديث عن «تصنيع السلاح في الإمارات» لم يعد وصفًا دعائيًا. فهناك بالفعل قاعدة صناعية آخذة في التوسع، وشركة إماراتية أصبحت لاعبًا معترفًا به في صناعة السلاح العالمية. كما أن EDGE لا تتحرك فقط لخدمة السوق المحلية، وإنما توسع صادراتها وشراكاتها الدولية؛ وقد أعلنت في 2026 أن أكثر من 70% من مبيعاتها أصبحت مرتبطة بالتصدير، وفق تصريحات نقلتها تقارير اقتصادية إماراتية. (emiratesnewswire.ae)
وبذلك يمكن القول إن الإمارات تحاول بناء سلسلة تبدأ من الاستحواذ على التكنولوجيا، ثم التوطين، ثم التطوير، ثم التصنيع، وأخيرًا التصدير. وهذه السلسلة هي التي تميز الصناعة الدفاعية الحقيقية عن مجرد تجميع المعدات الأجنبية.
لماذا أصبحت المسيّرات محور التحول؟
السبب الرئيسي في ذلك هو أن الحروب الأخيرة أثبتت أن الطائرات المسيّرة غيرت المعادلة الاقتصادية للحرب. فقد أصبح من الممكن إنتاج طائرات هجومية أو انتحارية منخفضة التكلفة نسبيًا واستخدامها بأعداد كبيرة ضد أهداف ذات قيمة مرتفعة، الأمر الذي يضع الدفاعات الجوية أمام معادلة اقتصادية صعبة: قد تكون تكلفة الهدف المهاجم أقل بكثير من تكلفة الصاروخ المستخدم لإسقاطه.
وقد أصبحت هذه المشكلة أكثر وضوحًا في أوكرانيا والشرق الأوسط. فالحرب الروسية–الأوكرانية حولت الطائرات المسيّرة إلى عنصر يومي في العمليات العسكرية، بينما أظهرت الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة على دول الخليج أن حماية المنشآت النفطية والمطارات والموانئ ومراكز البيانات والمنشآت الحيوية تحتاج إلى طبقات دفاعية جديدة قادرة على التعامل مع أعداد كبيرة من الأهداف منخفضة التكلفة.
ومن هنا ظهر الطلب على مفهوم Counter-UAS أو الدفاع المضاد للطائرات المسيّرة، الذي لم يعد قطاعًا فرعيًا في صناعة الدفاع، وإنما أصبح واحدًا من أسرع قطاعات التكنولوجيا العسكرية نموًا.
Powerus.. الحلقة الجديدة في القصة
في هذا السياق دخلت شركة Powerus الأمريكية إلى المشهد. والشركة، التي تأسست حديثًا، تحولت خلال فترة قصيرة من نشاط يركز على الطائرات المسيّرة التجارية إلى شركة تسعى بقوة لدخول سوق الدفاع الأمريكية. وفي مارس 2026 أعلنت Powerus عن اندماجها المخطط مع شركة Aureus Greenway Holdings المدرجة في ناسداك، في صفقة تهدف إلى تسريع وصول الشركة إلى أسواق رأس المال. وقد ارتبط بالصفقة مستثمرون وشركات لها صلات بعائلة ترامب، كما حصلت Powerus على استثمار بقيمة 50 مليون دولار من صندوق كوري، بينما شاركت شركات أخرى مرتبطة بسوق المسيّرات الأمريكية في تمويلها. (Reuters)
والأهم سياسيًا أن دونالد ترامب جونيور وإريك ترامب أصبحا من المستثمرين في الشركة. كما أن شركة Unusual Machines، التي يرتبط بها ترامب جونيور، أصبحت طرفًا في منظومة التمويل والتوريد المرتبطة بـPowerus. وفي الوقت نفسه، كانت Powerus تسعى إلى الاستفادة من برنامج أمريكي بقيمة 1.1 مليار دولار يستهدف دعم تصنيع الطائرات المسيّرة المسلحة داخل الولايات المتحدة. (AP News)
وهنا يظهر السؤال السياسي الأكثر حساسية: هل أصبح قطاع المسيّرات واحدًا من المجالات التي تتقاطع فيها السياسة الدفاعية لإدارة ترامب مع المصالح التجارية لعائلته؟ لا توجد في هذه المعطيات وحدها أدلة على تدخل غير قانوني في قرارات حكومية، لكن وجود أفراد من عائلة الرئيس كمستثمرين في شركة تستهدف عقودًا دفاعية أمريكية يخلق بلا شك قضية أخلاقية وسياسية تتعلق بتضارب المصالح ومظهره.
من واشنطن إلى أبوظبي
القصة أصبحت أكثر أهمية عندما انتقلت Powerus من السعي وراء السوق الأمريكية إلى السوق الخليجية. ففي أبريل 2026، ذكرت وكالة أسوشيتد برس أن الشركة المدعومة من نجلي ترامب كانت تحاول تسويق منظومات اعتراض المسيّرات لدول خليجية تتعرض لهجمات إيرانية، وأن الشركة أجرت عروضًا لأنظمتها في عدد من دول المنطقة. (AP News)
لكن التطور الأهم جاء في أغسطس 2026، عندما بدأت الشركة إنتاج منظومة Guardian لاعتراض الطائرات المسيّرة داخل منشأة في الإمارات. ووفق التقارير التي نقلت عن الشركة، يبلغ سعر المنظومة نحو 5 آلاف دولار، بينما يبلغ الإنتاج الحالي للشبكة المرتبطة بـPowerus نحو 3 آلاف منظومة اعتراض شهريًا، مع هدف للوصول إلى 15 ألف منظومة شهريًا بحلول منتصف 2027. (PressTV)
وتكمن أهمية الرقم الأخير في أنه يعني، إذا تحقق، إنتاج نحو 180 ألف منظومة اعتراض سنويًا. وهذه كمية لا تنتمي إلى نموذج الصناعات الدفاعية التقليدية الذي يقوم على إنتاج عدد محدود من الأسلحة مرتفعة التكلفة، وإنما إلى نموذج الإنتاج الكمي منخفض التكلفة الذي فرضته حرب المسيّرات.
وتشير التقارير إلى أن منشأة الإمارات تنتج حاليًا نحو 30 وحدة يوميًا، مع خطط لرفع الإنتاج إلى نحو 100 وحدة يوميًا. كما تعتمد عملية التصنيع على مكونات مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وتجميع وحدات معيارية، وهو ما يختصر الزمن والتكلفة مقارنة بالأسلحة التقليدية. (Memesita)
المعادلة الاقتصادية الجديدة
تكشف Guardian عن التحول الأهم في سوق الدفاع: لم يعد المطلوب دائمًا صاروخًا أكثر تطورًا، وإنما اعتراض أكثر رخصًا وأسرع إنتاجًا وأكثر قابلية للاستخدام بأعداد كبيرة.
فإذا كانت طائرة مسيّرة هجومية منخفضة التكلفة يمكن أن تهدد منشأة نفطية أو مطارًا أو مركز بيانات، فإن استخدام صاروخ دفاع جوي تبلغ قيمته ملايين الدولارات ضد كل هدف قد يؤدي إلى استنزاف اقتصادي وعسكري. ولذلك أصبحت الدول تبحث عن طبقة دفاعية أرخص يمكنها التعامل مع المسيّرات قبل اللجوء إلى المنظومات عالية التكلفة.
وبحسب التقارير المتاحة، تبلغ تكلفة Guardian نحو 5 آلاف دولار، في حين أن صاروخ PAC-3 المستخدم في منظومات Patriot يمكن أن تبلغ تكلفته ملايين الدولارات. لكن المقارنة يجب ألا تكون مضللة؛ فGuardian ليست بديلًا عن PAC-3، ولا تستطيع التعامل مع الصواريخ الباليستية. إنها طبقة دفاعية مختلفة مخصصة أساسًا للتهديدات الجوية الصغيرة والمنخفضة الارتفاع. (PressTV)
وهذا يعني أن المستقبل لن يكون بالضرورة لصالح منظومة واحدة، بل لصالح الدفاع الجوي متعدد الطبقات: أنظمة إنذار ورصد، حرب إلكترونية، اعتراضات منخفضة التكلفة، مدافع، صواريخ متوسطة وبعيدة المدى، ثم أنظمة متقدمة للصواريخ الباليستية.
الإمارات تتحول إلى منصة تصنيع لا مجرد سوق
أهمية إنتاج Guardian في الإمارات لا تكمن في حجم الإنتاج الحالي وحده، وإنما في النموذج الصناعي الذي يمثله. فبدل أن تنتج الشركة السلاح في الولايات المتحدة ثم تنقله آلاف الكيلومترات إلى منطقة الصراع، يتم وضع جزء من عملية التصنيع بالقرب من السوق المستهدفة.
وهذا ينسجم مع الاتجاه الإماراتي الأوسع نحو توطين الصناعات الدفاعية. وقد أعلنت EDGE في 2025 و2026 عن سلسلة من الشراكات الدولية لتطوير وإنتاج أنظمة عسكرية داخل الإمارات. ومن أبرزها الشراكة مع شركة Leonardo الإيطالية، التي تتضمن مشروعًا مشتركًا تمتلك فيه EDGE نسبة 51% مقابل 49% لـLeonardo، بهدف تصميم وتطوير وإنتاج أنظمة دفاعية تشمل المستشعرات والمنصات والحلول المتكاملة، مع استهداف السوق الإماراتية وأسواق التصدير. (Reuters)
وهذا النموذج أكثر أهمية من مجرد شراء التكنولوجيا. فالإمارات تريد أن تكون جزءًا من سلسلة القيمة الصناعية نفسها، وليس نهايتها.
عائلة ترامب.. البعد السياسي الأكثر حساسية
إذا كان الجانب الصناعي يمثل أحد وجوه القصة، فإن الجانب السياسي يتمثل في ارتباط المشروع بعائلة الرئيس الأمريكي.
فمن الناحية التجارية، دخول دونالد ترامب جونيور وإريك ترامب في شركات التكنولوجيا الدفاعية ليس حدثًا منفردًا. فقد توسعت استثماراتهما في شركات مرتبطة بالطائرات المسيّرة والتكنولوجيا الدفاعية والعقود الحكومية، بينما تستفيد صناعة المسيّرات الأمريكية نفسها من سياسات الإدارة التي تسعى إلى زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على المنتجات الصينية.
وقد أشارت وكالة أسوشيتد برس إلى أن Powerus كانت تسعى للحصول على جزء من برنامج البنتاغون البالغ 1.1 مليار دولار لدعم تصنيع الطائرات المسيّرة المسلحة، كما حصلت الشركة على تمويل خاص بقيمة 60 مليون دولار في مرحلة توسعها، واستحوذت على شركات أخرى في القطاع بهدف زيادة قدراتها الإنتاجية. (AP News)
وتزداد حساسية الأمر عندما تصبح الشركة المرتبطة بعائلة الرئيس مستفيدة من سوق خليجية تشهد ارتفاعًا في الطلب على منتجاتها نتيجة الحرب والتوتر الإقليمي.
لكن من الضروري هنا التمييز بين وجود تضارب محتمل في المصالح وبين إثبات استغلال السلطة. فالتقارير الصحفية نقلت انتقادات خبراء أخلاقيات حكومية، بينما أكدت الشركة أن قراراتها التجارية لا تستند إلى السياسة، ودافع إريك ترامب عن استثماراته باعتبارها استثمارات في تكنولوجيا يعتقد أنها تمثل مستقبل الحرب. (AP News)
وبالتالي فإن القضية ليست قانونية فقط، وإنما تتعلق أيضًا بالسؤال عن حدود الفصل بين المصالح الخاصة لعائلة الرئيس والاقتصاد الدفاعي الذي تتشكل سياساته في ظل الإدارة التي يقودها.
لماذا الإمارات؟
تبدو الإمارات حالة مثالية لهذا النموذج لثلاثة أسباب مترابطة. أولها أنها تمتلك قاعدة صناعية دفاعية قائمة بالفعل، وعلى رأسها EDGE، بما يسمح باستيعاب التكنولوجيا الأجنبية وتوطين أجزاء من عملية الإنتاج. ثانيها أنها تمتلك قدرة مالية واستثمارية كبيرة، إلى جانب سوق دفاعية متطورة. وثالثها أن موقعها الجغرافي جعلها في قلب البيئة الأمنية الجديدة التي فرضتها الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وتشير تقديرات سوقية أسترالية رسمية إلى أن الإنفاق الدفاعي الإماراتي لعام 2026 يقدر بنحو 27 مليار دولار، بما يعادل قرابة 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وإن كانت بيانات SIPRI المقارنة لا توفر تقديرًا مستقلًا للإمارات في أحدث تقديراتها الإقليمية بسبب نقص البيانات. (export.business.gov.au)
ومن ثم فإن الإمارات لا تمثل سوقًا صغيرة لاختبار منتج جديد، وإنما سوقًا دفاعية ذات قدرة شرائية كبيرة، يمكن أن تصبح في الوقت نفسه قاعدة لإعادة تصدير التكنولوجيا إلى دول أخرى.
التحول من شراء السلاح إلى إنتاج النفوذ
إذا نجحت الإمارات في الاستمرار بهذا المسار، فإنها ستنتقل من مفهوم الاستقلال التسليحي النسبي إلى مفهوم أوسع هو الاستقلال الصناعي والتكنولوجي النسبي.
والفرق كبير.
الدولة التي تشتري السلاح تمتلك القدرة على استخدامه، لكنها تظل مرتبطة بالمورد في قطع الغيار والتحديثات والذخائر والبرمجيات والتدريب. أما الدولة التي تنتج السلاح أو تشارك في تطويره، فتبدأ في امتلاك جزء من المعرفة والبنية الصناعية التي تسمح لها بالمناورة الاستراتيجية.
ولهذا فإن الإمارات لا تسعى فقط إلى تصنيع الأسلحة التقليدية، وإنما تستثمر في المجالات التي ستحدد شكل الحرب المقبلة: الطائرات المسيّرة، الذكاء الاصطناعي، الأنظمة الذاتية، الحرب الإلكترونية، المستشعرات، الفضاء، الأمن السيبراني والأنظمة المضادة للمسيّرات.
وهذه المجالات تحديدًا هي التي تجعل الصناعة الدفاعية الحديثة أقرب إلى صناعة التكنولوجيا المتقدمة منها إلى مصانع السلاح التقليدية.
من أبوظبي إلى النظام الأمني الخليجي
الانعكاس الإقليمي لهذا التحول مهم للغاية. فكلما زادت قدرة الإمارات على إنتاج أنظمة دفاعية محليًا، قل اعتمادها النسبي على استيراد كل طبقات منظومتها الدفاعية من الولايات المتحدة وأوروبا.
لكن الأهم أن هذه القدرات يمكن أن تنتشر عبر عقود التصدير والشراكات، وهو ما يجعل الصناعة الدفاعية أداة من أدوات السياسة الخارجية الإماراتية.
فبيع منظومة دفاعية لدولة أخرى يعني أيضًا تدريب قواتها، وربطها بقطع الغيار والبرمجيات، وإنشاء قنوات تعاون عسكري، وربما تطوير علاقات سياسية طويلة المدى.
وهكذا يتحول السلاح من مجرد وسيلة دفاع إلى أداة نفوذ.
ماذا يعني ذلك لمصر؟
بالنسبة لمصر، فإن التحول الإماراتي يستحق المتابعة ليس من زاوية المنافسة في مبيعات السلاح فقط، وإنما من زاوية أوسع تتعلق بمستقبل الصناعة العسكرية العربية.
فإذا استطاعت دولة عربية أن تنتقل خلال سنوات قليلة من استيراد الأسلحة إلى تطوير شركات دفاعية ذات إيرادات بالمليارات، ثم إلى إنتاج أنظمة متقدمة وتصديرها، فإن ذلك يفتح نقاشًا مهمًا حول مستقبل التصنيع العسكري العربي.
كما أن تطور صناعة المسيّرات وأنظمة اعتراضها ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن البحر الأحمر والخليج وشرق المتوسط وشمال إفريقيا، خصوصًا مع تزايد استخدام المسيّرات في النزاعات الإقليمية.
ومن منظور مصري، فإن الدرس الأهم ليس تقليد النموذج الإماراتي حرفيًا، وإنما فهم أن الحرب الحديثة أصبحت حرب تكنولوجيا وإنتاج وسلاسل إمداد بقدر ما هي حرب منصات وصواريخ.
الخلاصة: الإمارات لا تصنع السلاح فقط.. بل تعيد تعريف صناعة السلاح
القصة الإماراتية الجديدة لا يمكن اختزالها في عنوان «الإمارات تبدأ تصنيع السلاح». فالإمارات بدأت بالفعل منذ سنوات بناء قاعدة صناعية دفاعية، وأصبحت EDGE لاعبًا عالميًا بإيرادات تسليحية بلغت نحو 4.7 مليار دولار في 2024، فيما وصل إجمالي إيراداتها إلى نحو 4.9 مليار دولار، وبلغت قيمة الطلبات الجديدة نحو 7.96 مليار دولار في 2025، مع دفتر طلبات يبلغ نحو 20.4 مليار دولار. (SIPRI)
أما التطور المرتبط بـPowerus فيضيف طبقة جديدة إلى هذا المسار: تصنيع منظومات دفاعية أمريكية التصميم داخل الإمارات، بالقرب من مسرح التهديد، وبكلفة تقارب 5 آلاف دولار للوحدة، مع إنتاج شهري يقدر بنحو 3 آلاف منظومة وطموح للوصول إلى 15 ألفًا شهريًا بحلول منتصف 2027. (PressTV)
وفي الوقت نفسه، فإن وجود دونالد ترامب جونيور وإريك ترامب كمستثمرين في Powerus يضع المشروع في تقاطع حساس بين الأمن الخليجي، والصناعة الدفاعية الأمريكية، والسياسة الخارجية لإدارة ترامب، والمصالح التجارية لعائلة الرئيس. (AP News)
وبذلك فإن التطور الأكثر أهمية ليس أن الإمارات أصبحت تنتج سلاحًا، وإنما أنها تتحول إلى منصة لإنتاج التكنولوجيا الدفاعية بالقرب من مناطق الصراع.
وهذا قد يكون بداية مرحلة جديدة في سوق السلاح الخليجي: مرحلة لا تكون فيها دول الخليج مجرد أكبر المشترين، وإنما تتحول تدريجيًا إلى مستثمرين ومطورين ومصنعين ومصدرين.
أما السؤال الاستراتيجي الأكبر فهو: هل ستنجح الإمارات في تحويل هذا التصنيع من مجرد توطين وتجميع لتكنولوجيا أجنبية إلى قدرة وطنية حقيقية على البحث والتطوير والابتكار والتصدير؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن ما نشهده اليوم لن يكون مجرد توسع في صناعة السلاح الإماراتية، وإنما بداية تشكل مجمع صناعي–تكنولوجي عسكري خليجي جديد.
المصادر والمراجع
(1) Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI), “Global Military Spending Rise Continues as European and Asian Expenditures Surge,” April 27, 2026. (SIPRI)
(2) Xiao Liang et al., Trends in World Military Expenditure, 2025, SIPRI Fact Sheet, April 2026. (SIPRI)
(3) Stockholm International Peace Research Institute, “SIPRI Top 100 Arms Producers See Combined Revenues Surge,” December 1, 2025. (SIPRI)
(4) EDGE Group, “EDGE Group Marks Five Years of Innovation, Growth, and Global Success,” December 2024. (EDGE)
(5) EDGE Group, “EDGE Charts Defence Manufacturing Progress at Make It in the Emirates 2026,” April 28, 2026. (EDGE)
(6) Reuters, “Leonardo and EDGE to Launch Defence Joint Venture in UAE in 2026,” November 19, 2025. (Reuters)
(7) Associated Press, “New Drone Maker Partly Owned by Trump Sons Hopes to Win Pentagon Contracts,” March 11, 2026. (AP News)
(8) Associated Press, “Company Backed by Trump Sons Looks to Sell Drone Interceptors to Gulf States Being Attacked by Iran,” April 2, 2026. (AP News)
(9) Financial Times, “Trump Sons Back Launch of New Military Drone Company,” March 9, 2026. (الـ Financial Times)
(10) Reuters, “Trump Sons-backed Aureus to Merge with Drone Maker Powerus,” March 9, 2026. (Reuters)
(11) Powerus/Aureus Greenway announcement on Gulf manufacturing, August 24, 2026. (StreetInsider.com)
(12) Reports citing The New York Times on Powerus Guardian production in the UAE, August 2026. (PressTV)

  • Related Posts

    في حضرة رسول الله

    بقلم اللواء / أحمد بدر  مولد الهادي الأمين سيد الأولين وامام المرسلين ورحمة الله للعالمين البشير النذير الصادق الوعد الأمين خير خلق الله أجمعين سيدنا محمد ابن عبدالله ابن عبد…

    «قاع الهامور».. عندما يصبح وعي المواطن جزءًا من الأمن القومي

    بقلم المستشار / خالد السيد  لم يعد الأمن القومي في عصر الذكاء الاصطناعي مفهومًا يرتبط بالحدود والمنشآت والمقدرات المادية للدولة وحدها. فقد أصبحت المعلومات والبيانات والهوية الرقمية ووعي المواطن جزءًا…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *