” وهم الملايين والطمع المالي”.. كيف تحولت “جمعية المحلة” إلى فخ استدرج البعض ؟

كتبت / نورجيهان عبد الرحمن

تستمر ظاهرة “المستريحين” في طفوها على سطح الأحداث الاجتماعية والاقتصادية في مصر، لتكشف في كل مرة عن ثغرات عميقة في التعاطي المالي ، ولم تكن قصة اختفاء إحدى السيدات بمدينة المحلة الكبرى عقب اتهامها بالاستيلاء على مبالغ مالية ضخمة من جيرانها تحت مسمى
“جمعية منزلية”، أو ” تشغيل أموال في الأجهزة الكهربائية ” حادثة عابرة؛ إذ تتضارب الأنباء والأقوال الشفهية حول حجم الأموال المنهوبة بين عدة ملايين وتجاوزها حاجز الـ 15 مليون جنيه (بينهم ضحية يتردد أنه دفع 7ملايين الجنيهات بمفرده) .
وما زالت الأجهزة الأمنية والنيابة العامة تواصل جهود البحث والتحري للقبض على المتهمة الهاربة ، والوقوف على الحقيقة الكاملة للواقعة والحصر النهائي والدقيق لأعداد الضحايا والمبالغ المستولى عليها .
والغريب في الأمر أن هذا المشهد ليس بجديد على المواطنين ؛ بل تكرر في الآونة الأخيرة في نفس المدينة عبر وقائع شهيرة لـ “مستريحات” وسيناريوهات مشابهة لجمع أموال بدعوى تشغيلها أو إدارتها في جمعيات أهلية وعرفية .
وعلى الرغم من التغطية الإعلامية الواسعة والمحاضر الرسمية والأحكام القضائية الصادرة في تلك القضايا ، إلا أن البعض لم يتعظ ، وظل الفخ نفسه يستدرج ضحايا جُدد بنفس السذاجة المالية والانقياد خلف الطمع المالي.
من “ستر البيت” إلى الانهيار المفاجئ .
تعتمد حيلة “الجمعيات العرفية” في الأحياء والمدن على ثقافة التكافل والعلاقات الأسرية ، ممزوجة بإغراءات الطمع المالي ؛ حيث تُقنع المتهمة الضحايا بدفع مبالغ شهرية منتظمة مقابل الحصول على “أدوار أولى” لتسديد ديون ، أو تجهيز فتيات للزواج ، أو الاستثمار في أنشطة تجارية تُعطي عوائد مرتفعة .
وفي هذه القضية ومع مرور الوقت وتضاعف المبالغ لتبلغ ملايين الجنيهات ، بدأت التسريبات حول عدم قدرة “المتهمة” على التنسيق بين الأدوار وسداد الالتزامات . وفي غضون أيام قليلة ، اختفت السيدة تماماً عن النظر وأُغلقت أرقام هواتفها ، ليتفاجأ المشاركون على واقع الصدمة وتتبخر تحويشة العمر ، مما دفع عشرات المتضررين إلى التوجه إلى مراكز الشرطة ومباشرة البلاغات الرسمية للإبلاغ عن واقعة النصب والاحتيال .
المشهد القانوني وثغرات الإثبات .
تأتي قضية المحلة الأخيرة ضمن موجة واسعة من قضايا استرداد الأموال وملاحقة المستريحين أمام النيابات والدوائر الاقتصادية :
– تحريات مباحث الأموال العامة: تكثف الجهات الأمنية تحرياتها حول الكيانات والأفراد الذين يديرون حركة مبالغ ضخمة خارج الأطر المصرفية والرقابية المعتمدة .
– قضايا الاستثمار الوهمي: قضايا توظيف وغسيل أموال بمبالغ وصلت إلى عشرات الملايين ، وصدرت أحكام بإحالة متهمين هاربين للجنايات بتهم تلقي الأموال وإقامة مشاريع صورية للتمويه .
– الثغرة القانونية: يؤكد القانونيون أن الاعتماد على “إيصالات الأمانة العرفية” أو الاتفاقات الشفهية في الجمعيات المنزلية يضعف موقف المخدوعين إجرائياً ، إذ يُكيف القانون هذه المعاملات غالباً كـ “نزاعات مدنية” أو “نصب واحتيال” ، يتطلب إثباتاً جنائياً دقيقاً ، بالإضافة إلى تعارض جمع الأموال بهذه الطرق مع التكيف التشريعي لقانون تلقي الأموال (القانون رقم 146 لسنة 1988) .
قراءة تحليليّة : لماذا يتكرر الفخ دون اتعاظ ؟
يرجع أخصائيو الاجتماع ورجال الدين تكرار ظاهرة “المستريحات” وسقوط ضحايا يمتلكون ملايين الجنيهات إلى أسباب هيكلية وسلوكية مركبة :
1. الطمع المالي والبحث عن الربح السريع: انسياق أصحاب رؤوس الأموال والمدخرات خلف وعود الأرباح العالية أو تدوير الأموال بسرعة يتم تعطيل التفكير العقلاني ، ويُعمي عن تقييم المخاطر الاستثمارية والتعلم من دروس الوقائع السابقة .
2. ضعف الوازع الديني والتساهل في الشبهات: يُسهم ضعف الرادع الأخلاقي لدى النصابين في استباحة أكل أموال الناس بالباطل ، وفي المقابل يدفع الطمع بعض المتضررين للتغاضي عن ضوابط المعاملات الشريعة والتساهل مع شبهات المعاملات غير المشروعة أملاً في الربح المادي .
3. الثقة الأسرية والتغاضي عن حظر المخاطرة: لا يذهب الضحية لشركة أو بنك ، بل يأتمن شخصاً معروفاً في محيطه الاجتماعي مفترضاً أن “ما حدث مع غيره لن يحدث معه” ، مما يجعله يلغي حذره القانوني ويتخلى عن أبسط قواعد التثبت والإثبات الرسمي .
تظل هذه الوقائع المتكررة ناقوس خطر يستوجب رفع الوعي الاستثماري والقانوني لدى المواطنين ، والابتعاد الكامل عن أي معاملات مالية غير خاضعة لرقابة البنك المركزي أو الهيئة العامة للرقابة المالية ، وتجنب الانقياد خلف الطمع المالي ووعود الأرباح الخيالية دون وجود ضمانات مؤسسية مشهرة تحفظ للجميع حقوقهم.

  • Related Posts

    الإمارات تبدأ تصنيع السلاح.. وعائلة ترامب في المشهد

    بقلم لواء  دكتور / محمد حجاب  من سوق للسلاح إلى قاعدة إنتاج دفاعي.. كيف تعيد المسيّرات تشكيل الصناعات العسكرية في الخليج؟ لم تعد الإمارات العربية المتحدة مجرد واحدة من أكبر…

    في حضرة رسول الله

    بقلم اللواء / أحمد بدر  مولد الهادي الأمين سيد الأولين وامام المرسلين ورحمة الله للعالمين البشير النذير الصادق الوعد الأمين خير خلق الله أجمعين سيدنا محمد ابن عبدالله ابن عبد…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *