بقلم دكتوره /حنان نجيب
يشهد هيكل أسواق المال عالميًا تحولًا تدريجيًا من النموذج التقليدي الذي يتركز فيه التداول داخل جلسة زمنية محددة، إلى نماذج أكثر مرونة تستجيب لامتداد النشاط الاستثماري على مدار اليوم، واختلاف المناطق الزمنية، وتزايد سرعة انتقال المعلومات والأحداث الاقتصادية والمالية بين الأسواق. وفي هذا السياق، أعلنت بورصة لندن في يوليو 2026 عن خطط لإطلاق LSE 24، وهي منصة تداول مستقلة تستهدف إتاحة التداول بصورة شبه مستمرة من الاثنين إلى الجمعة خارج ساعات السوق الرئيسية، ومن المقرر بدء اختبارها بنهاية عام 2026 وإطلاق المنتجات المتداولة في البورصة (Exchange-Traded Products – ETPs) خلال النصف الأول من عام 2027، رهناً بالموافقات التنظيمية. وتمثل هذه المبادرة توجهًا حديثًا في تطوير بنية الأسواق المالية يستحق الدراسة بالنسبة للأسواق التي تسعى إلى زيادة مرونتها وقدرتها على التعامل مع التطورات العالمية خارج ساعات التداول التقليدية.
وتنبع أهمية الفكرة بالنسبة لمصر من وجود فجوة زمنية بين ساعات عمل البورصة المصرية وساعات عمل العديد من الأسواق العالمية، حيث قد تقع أخبار اقتصادية أو قرارات نقدية أو أحداث جيوسياسية مؤثرة بعد انتهاء جلسة التداول المحلية. وفي هذه الحالة، لا يستطيع المستثمر التعامل مباشرة مع انعكاسات هذه التطورات على مراكزه الاستثمارية داخل السوق المصرية حتى افتتاح الجلسة التالية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراكم أوامر البيع والشراء خلال فترة الإغلاق ثم تركزها عند الافتتاح في صورة تدفقات أكبر خلال فترة زمنية قصيرة. ومن ثم، فإن القضية التي يعالجها المقترح ليست بالضرورة أن ساعات التداول المصرية قصيرة، وإنما وجود فترة زمنية لا يستطيع خلالها المستثمر استخدام السوق المصرية للتفاعل بصورة مباشرة مع بعض التطورات العالمية.
ومن هنا يبرز تساؤل عملي: لماذا لا تنشئ مصر سوقًا ممتدة مستقلة تحت مسمى EGX Extended، تعمل خارج ساعات الجلسة الرئيسية، وتُطرح في مرحلة أولى بصورة تجريبية، على أن يتم تقييم نتائجها بصورة دورية من خلال مؤشرات قابلة للقياس تشمل مستوى السيولة، ومشاركة المستثمرين الأجانب، وتأثيرها على سيولة وتدفقات التداول عند افتتاح الجلسة الرئيسية، إلى جانب الإيرادات والرسوم المرتبطة بالنشاط الجديد؟ وبذلك، يقوم المقترح على إنشاء نافذة تداول منظمة ومستقلة للتعامل مع المعلومات والأحداث التي تقع خارج الجلسة الرئيسية، مع اختبار أثرها الفعلي على السيولة، وافتتاح الجلسة الرئيسية، ومشاركة المستثمرين الأجانب. ومن شأن هذا النهج أن يحول فكرة التداول الممتد من مجرد زيادة في ساعات العمل إلى تجربة مؤسسية قابلة للقياس والتقييم قبل اتخاذ قرار بشأن التوسع فيها.
ويتمثل المقترح في إنشاء EGX Extended كسوق تداول ممتد ومستقل يعمل في الفترة التالية لانتهاء الجلسة الرئيسية وحتى ما قبل افتتاح الجلسة التالية، بدلًا من الاكتفاء بمد ساعات الجلسة الحالية. ويقوم النموذج على ثلاثة عناصر مترابطة. أولها أن يكون السوق الممتد سوقًا مستقلة ذات قواعد تشغيل وإدارة مخاطر وسيولة خاصة بها، مع إمكانية الاستفادة من التجارب الدولية الحديثة، والبدء بالأدوات الأكثر سيولة مثل صناديق الاستثمار المتداولة وبعض الأدوات المالية ذات النشاط المرتفع. وثانيها إنشاء ربط منظم وذكي بين السوق الممتد والسوق الرئيسية، بحيث يتم تنظيم انتقال المعلومات والأسعار والمراكز والأوامر وفق قواعد محددة، بما يضمن الاستفادة من استمرارية المعلومات والتداول دون الإخلال بآليات عمل السوق الرئيسية أو نقل مخاطر السيولة إليها بصورة غير منظمة. أما العنصر الثالث، فيتمثل في تنفيذ النموذج بصورة تجريبية قابلة للقياس والتقييم، من خلال متابعة مؤشرات محددة تشمل حجم وقيمة التداول، وعدد المستثمرين، ونسبة مشاركة المستثمرين الأجانب، وحجم وتوزيع أوامر البيع والشراء عند مستويات الأسعار المختلفة، وفروق أسعار العرض والطلب، ومستوى السيولة، إلى جانب قياس تأثير السوق الممتد على سيولة وتقلبات افتتاح الجلسة الرئيسية.
ومن أهم الآثار المتوقعة للمقترح أنه يمكن أن يوفر قناة إضافية للمستثمرين للتعامل مع التطورات العالمية التي تقع خارج ساعات الجلسة الرئيسية، بما قد يساعد على توزيع تدفقات الأوامر زمنيًا بدلًا من تركزها بالكامل عند افتتاح اليوم التالي. كما يمكن أن يعزز ذلك من قدرة السوق المصرية على خدمة المستثمرين الدوليين الموجودين في مناطق زمنية مختلفة، ويدعم توجه البورصة نحو تطوير بنيتها التكنولوجية وزيادة الاعتماد على الحلول الرقمية والتحليل الآلي للبيانات. ولا يعني ذلك أن السوق الممتد سيمنع التقلبات أو يضمن استقرار الأسعار، وإنما يوفر آلية إضافية للتعامل مع المعلومات والأحداث خارج أوقات التداول التقليدية.
كما يمكن أن يساهم النموذج في تعزيز تنافسية البورصة المصرية من خلال توفير ساعات تداول أكثر ملاءمة للمستثمرين الدوليين، ولا سيما الذين يعملون في أسواق تقع في مناطق زمنية مختلفة. وقد يساعد وجود نافذة تداول إضافية على زيادة جاذبية السوق المصرية للمستثمر الأجنبي، خاصة إذا ارتبط النموذج بتطوير البنية التكنولوجية، وسهولة الوصول الإلكتروني إلى السوق، وتوفير المعلومات بصورة لحظية وموثوقة. وفي حال أدى السوق الممتد إلى جذب تداولات جديدة بدلًا من مجرد نقل التداول من الجلسة الرئيسية، فقد ينعكس ذلك إيجابًا على حجم وقيمة التداول وما يرتبط بهما من رسوم وعمولات، بما يوفر مصدرًا إضافيًا للإيرادات للمنظومة المرتبطة بسوق المال.
ومع ذلك، فإن نجاح النموذج يتطلب معالجة عدد من التحديات، وفي مقدمتها ضمان وجود مستوى كافٍ من السيولة ومنع انتقال النشاط من السوق الرئيسية إلى السوق الممتد بصورة تؤدي إلى إضعاف عمق الجلسة الأساسية. كما يتطلب الأمر وضع قواعد واضحة لصناعة السوق، وفروق الأسعار، وإدارة المخاطر، وآليات التعامل مع الأخبار الجوهرية، فضلًا عن تحديد قواعد التسوية والمقاصة والربط بين الأوامر والمراكز الناتجة عن التداول في السوق الممتد. كما ينبغي تحديد الأدوات المالية التي يمكن إدراجها في المرحلة الأولى وفقًا لمعايير السيولة والطلب والمخاطر، مع وضع ضوابط مناسبة لحماية المستثمرين وضمان كفاءة التسعير.
ومن الناحية المؤسسية، يمكن أن تبدأ دراسة النموذج من خلال تنسيق بين الهيئة العامة للرقابة المالية والبورصة المصرية وشركة مصر للمقاصة والإيداع والقيد المركزي، بهدف إعداد تصور متكامل يحدد طبيعة السوق الممتد، والأدوات التي يمكن تداولها، وساعات العمل، وقواعد العضوية وصناعة السوق، وآليات إدارة المخاطر والتسوية، وكيفية الربط المعلوماتي والتشغيلي مع السوق الرئيسية. كما يمكن الاستفادة من نتائج التجارب الدولية دون نقلها بصورة حرفية، بحيث يتم تصميم النموذج وفق طبيعة السوق المصرية وحجم السيولة وهيكل المستثمرين والإطار التشريعي والتنظيمي القائم.
وبالتالي، فإن EGX Extended لا يُطرح باعتباره مجرد تمديد لساعات العمل في البورصة المصرية، وإنما باعتباره تصورًا لتطوير البنية التشغيلية للسوق من خلال إنشاء سوق تداول ممتد ومستقل، يعمل وفق قواعد وضوابط خاصة، مع وجود آليات ربط منظمة بالسوق الرئيسية. ويمكن أن تبدأ التجربة على نطاق محدود ووفق أدوات محددة، ثم يتم تقييم نتائجها بناءً على مؤشرات فعلية تتعلق بحجم وقيمة التداول، وعدد المستثمرين، ومشاركة المستثمرين الأجانب، وفروق أسعار العرض والطلب، ومستويات السيولة، ومدى تأثير السوق الممتد على افتتاح الجلسة الرئيسية.
وفي حال أثبتت التجربة قدرتها على جذب سيولة إضافية وتوسيع قاعدة المستثمرين وتحسين قدرة السوق المصرية على استيعاب المعلومات والأحداث التي تقع خارج ساعات التداول التقليدية، فقد يسهم النموذج في زيادة النشاط والرسوم والعمولات المرتبطة بالتداول، فضلًا عن تعزيز تنافسية البورصة المصرية إقليميًا ودوليًا. وبذلك، لا تتمثل الفكرة في إطالة يوم التداول فحسب، وإنما في إضافة طبقة جديدة إلى البنية التحتية للسوق المصرية تسمح لها بالتفاعل بصورة أكثر مرونة مع الاقتصاد والأسواق العالمية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على كفاءة واستقرار الجلسة الرئيسية.





