بقلم العميد/ محمد حجاب
في وقت باتت فيه القوى الاقتصادية الكبرى -من الولايات المتحدة وبريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي والصين والهند واليابان وأستراليا- تسنّ تشريعات ناظمة لاستخدامات الذكاء الاصطناعي، يجد المشرّع المصري نفسه أمام استحقاق لم يعد قابلاً للتأجيل: بناء إطار قانوني وطني ينظم هذه التقنية المتسارعة قبل أن تتحول الفجوة التشريعية إلى فجوة تنموية وأمنية.
مصر… سبّاقة في الاستراتيجية، متأخرة في التشريع
من المهم الإشارة إلى أن مصر ليست غائبة عن المشهد. فقد كانت من أوائل دول منطقة الشرق الأوسط التي شكّلت مجلساً وطنياً للذكاء الاصطناعي يضم ممثلين لكافة الجهات المعنية، لوضع استراتيجية وطنية أُطلقت عام 2021 بهدف دمج برامج الذكاء الاصطناعي في تحقيق أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030. كما أن البلاد صُنّفت ضمن أفضل 10 دول في العالم في مجال الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، وهي البلد الأفريقي الوحيد ضمن هذه الفئة وفق مؤشر التنافسية العالمي لعام 2024، وتعمل حالياً على تنفيذ استراتيجية وطنية ثانية للذكاء الاصطناعي تغطي الفترة من 2025 حتى 2030.
ويسعى المسؤولون المصريون لترجمة هذا الزخم إلى مكانة عالمية، إذ صرّح مستشار وزير الاتصالات للإبداع التكنولوجي بأن مصر تحتل المركز الأول أفريقياً وتطمح لأن تكون ضمن أفضل 20 دولة في العالم في هذا المجال بحلول عام 2028. وتؤكد التقديرات الاقتصادية جدية هذا الرهان، إذ تشير التوقعات إلى ارتفاع مساهمة الذكاء الاصطناعي في الناتج المحلي الإجمالي المصري إلى نحو 10% بحلول عام 2030، ضمن سوق إقليمي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد يجمع مئات المليارات من الدولارات خلال العقد الجاري.
غير أن كل هذا الزخم الاستراتيجي والاقتصادي يظل منقوصاً في غياب مظلة تشريعية متكاملة تحكم استخدامات الذكاء الاصطناعي، وتحدد المسؤوليات القانونية، وتحمي الحقوق الدستورية للمواطنين في عصر البيانات والخوارزميات.
لماذا التشريع أولوية الآن؟
أولاً: حماية الحقوق الدستورية في عصر الخوارزميات
بيّنت دراسات قانونية مصرية حديثة أن ثمة حاجة ملحة لإطار قانوني يحمي الخصوصية ويضمن الحريات العامة في مواجهة تطبيقات الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في ظل غياب نصوص واضحة تعالج جمع البيانات الشخصية ومعالجتها آلياً واتخاذ قرارات مؤتمتة قد تمس حقوق الأفراد.
ثانياً: مواكبة الموجة التشريعية العالمية
الدول الموضحة في الخريطة المرفقة ليست وحدها التي تتحرك؛ فحتى الدول الأفريقية بدأت تسبق مصر في هذا المسار، إذ اتخذت كينيا في فبراير 2026 خطوة نوعية بإقرار مشروع قانون شامل للذكاء الاصطناعي يهدف إلى إرساء المساءلة والحوكمة في هذا القطاع سريع النمو. وإذا كانت كينيا -التي تُوصف بـ”وادي السيليكون الأفريقي”- تتحرك تشريعياً، فإن مصر بثقلها الإقليمي ومكانتها كمركز تقني معلن، مطالبة بألا تتأخر عن هذا الاستحقاق.
ثالثاً: مسؤولية المنتجات المعيبة ونماذج المساءلة
التوجهات التشريعية الأوروبية الجديدة، التي تفرض مساءلة قانونية عن المنتجات والخدمات الرقمية المعيبة بما فيها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، تشكل نموذجاً يستحق الدراسة المصرية، لما تحمله من مبادئ تحديد المسؤولية بين المطور والمشغّل والمستخدم، وهي إشكالية ستطرح نفسها حتماً على القضاء المصري عاجلاً أم آجلاً.
رابعاً: استضافة الفعاليات الدولية تستوجب غطاءً قانونياً
استضافة مصر لقمة ومعرض عالم الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط وأفريقيا مطلع 2026، وسعيها لتكريس مكانتها كمركز إقليمي رائد، يضعانها أمام مفارقة: كيف تستقطب الاستثمارات والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال دون أن يكون لديها إطار تنظيمي واضح يمنح المستثمرين والمستخدمين اليقين القانوني اللازم؟
ملامح مقترحة لتشريع مصري متوازن
• تشجيع الابتكار دون خنقه:تجربة الاتحاد الأوروبي (AI Act) أظهرت أن الإفراط في التقييد قد يبطئ نمو القطاع، بينما النموذج الأمريكي الأكثر مرونة يثير مخاوف حقوقية. مصر بحاجة إلى نموذج “هجين” يراعي طبيعة سوقها الناشئ
• تصنيف المخاطر:اعتماد مقاربة تصنيفية تميز بين تطبيقات منخفضة الخطورة (كالترجمة الآلية) وتطبيقات عالية الخطورة (كالتوظيف الآلي، والتصنيف الائتماني، والمراقبة البيومترية)، بما يسمح بتنظيم متدرج للمساءلة
• حماية البيانات الشخصية:ربط أي تشريع جديد للذكاء الاصطناعي بقانون حماية البيانات الشخصية المصري القائم (2020)، وسد الثغرات المتعلقة بالمعالجة الآلية واتخاذ القرار الخوارزمي
• إنشاء جهة تنظيمية مستقلة:أو تعزيز صلاحيات المجلس القومي للذكاء الاصطناعي لتكون له صفة رقابية وتنفيذية، لا استشارية فقط
• مواءمة مع الالتزامات الدولية:خصوصاً في ظل تطلع مصر لجذب استثمارات الشركات التقنية العالمية التي تخضع أصلاً لتشريعات بلدانها الأم (الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة)
خلاصة
الفجوة بين التقدم الاستراتيجي والتقني الذي أحرزته مصر في ملف الذكاء الاصطناعي، وبين الفراغ التشريعي الذي لا يزال قائماً، تمثل نقطة ضعف يجب معالجتها في الفصل البرلماني المقبل. فالتشريع هنا ليس مجرد استجابة لموضة عالمية، بل هو أداة لحماية المواطن المصري من التحيز الخوارزمي وانتهاكات الخصوصية من جهة، وأداة لجذب الاستثمار وطمأنة المستثمرين من جهة أخرى. فمصر التي تسعى لأن تكون من أفضل 20 دولة عالمياً في هذا المجال بحلول 2028، لا يمكنها أن تحقق هذا الطموح وهي لا تزال خارج قائمة الدول التي أسست لنفسها منظومة قانونية واضحة تحكم عصر الآلة الذكية.







