الروبوتات في الحروب الحديثة: هل تبدأ الحرب القادمة بلا جنود في الخطوط الأمامية؟

بقلم: العميد دكتور محمد حجاب

لم تعد الروبوتات العسكرية مجرد مشروع مستقبلي تتحدث عنه مراكز الأبحاث، بل أصبحت جزءًا من العمليات القتالية الفعلية. وتقدم الحرب الروسية–الأوكرانية أحدث دليل على ذلك، بعدما انتقلت المنظومات غير المأهولة من الاستطلاع والمراقبة إلى النقل والإخلاء والهجوم، ثم إلى تنفيذ عمليات خلف خطوط الخصم.
ويكشف ما أطلق عليه الجيش الأوكراني عملية «فيفالدي» في سبتمبر 2026 عن مرحلة جديدة؛ إذ أعلنت قوات الجيش الثالث استخدام طائرات مسيرة ثقيلة لإسقاط روبوتات أرضية انتحارية على مسافة تزيد على 10 كيلومترات خلف الخطوط الروسية. ووفق الرواية الأوكرانية، جرى تنفيذ العملية بالتزامن مع استخدام الحرب الإلكترونية والدفاع الجوي لتعطيل قدرة الطائرات الروسية المسيرة على اكتشاف التحرك.
والأهمية الحقيقية لهذه العملية لا تكمن في الروبوت نفسه، وإنما في طريقة استخدامه. فالمسيّرة الجوية لم تعد سلاحًا مستقلًا، وإنما أصبحت وسيلة لنقل روبوت آخر إلى عمق الخصم. أي أننا أمام منظومة قتالية متعددة الطبقات: طائرة مسيرة تحمل روبوتًا أرضيًا، وروبوت ينفذ المهمة، وشبكة استطلاع واتصالات وحرب إلكترونية توفر له الحماية والتوجيه.
وهذا التطور يعني أن مفهوم «خطوط الجبهة» نفسه قد يتغير. فالروبوت الأرضي يمكن أن ينفذ مهام الاستطلاع، ونقل الذخائر، وإخلاء الجرحى، والهندسة، وحمل الأسلحة، أو مهاجمة أهداف عالية الخطورة دون تعريض الجندي مباشرة للخطر. وقد أعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية تنفيذ آلاف المهام باستخدام المركبات الأرضية غير المأهولة، بينما تعاقدت على أكثر من 22 ألف منظومة خلال 2026.
وهنا نصل إلى التحول الأهم: الحرب القادمة لن تكون بالضرورة حرب روبوتات تحل محل الجيوش، وإنما حرب جيوش تستخدم الروبوتات لإعادة توزيع أدوار الإنسان في المعركة.
فالجندي قد لا يختفي من ساحة القتال، لكنه قد ينتقل تدريجيًا من تنفيذ المهام الأكثر خطورة إلى إدارة المنظومات غير المأهولة واتخاذ القرار والسيطرة عليها. وهذا ما يفسر اتجاه بعض الوحدات الأوكرانية إلى زيادة الاعتماد على المركبات الأرضية بدلًا من الجنود في المهام عالية الخطورة.
لكن هذه الثورة لا تخلو من قيود. فالروبوتات تحتاج إلى الاتصالات والطاقة والصيانة، ويمكن التشويش عليها أو تعطيلها، كما أن البيئات الحضرية والوعرة ما زالت تفرض قيودًا على حركتها. ولذلك فإن الحديث عن «حرب بلا جنود» لا يزال مبكرًا.
ومع ذلك، فإن المؤشر الاستراتيجي الأكثر أهمية هو أن تكلفة التكنولوجيا أصبحت أقل من تكلفة فقدان الجندي في بعض المهام، بينما أصبحت القدرة على إنتاج أعداد كبيرة من المنظومات غير المأهولة عاملًا مهمًا في استدامة الحرب.
ومن هنا نستطيع أن نقول إن عملية «فيفالدي» قد تكون أكثر من عملية تكتيكية ناجحة؛ فهي تعكس اتجاهًا جديدًا في بناء القوة العسكرية: الروبوتات لا تعمل منفردة، بل ضمن منظومة تجمع الذكاء الاصطناعي، والمسيّرات الجوية، والمركبات الأرضية، والاستطلاع، والحرب الإلكترونية، والاتصالات.
وبذلك قد تكون الحرب القادمة أقل اعتمادًا على كثافة الجنود في الخطوط الأمامية، وأكثر اعتمادًا على شبكات من المنظومات غير المأهولة التي تستطيع الرصد، والتحرك، والإمداد، والهجوم، والعمل في وقت واحد.
والسؤال الذي تفرضه هذه التطورات على الجيوش ليس ما إذا كانت ستستخدم الروبوتات، وإنما متى تصبح القوة التي لا تمتلك منظومة متكاملة من الروبوتات والمسيّرات والذكاء الاصطناعي أقل قدرة على خوض الحرب الحديثة بكفاءة؟

  • Related Posts

    مصر تدعم عودة طلاب غزة لمقاعدهم الدراسية:

    بقلم / تنسيم الريدي  “لايف للإغاثة والتنمية” تفتتح مدرسة جديدة تضم 4800 طالب وطالبة يعيش قطاع غزة واحدة من أسوأ الأزمات التعليمية في العالم، بعدما تسببت الحرب المستمرة منذ 2023…

    كيف يكتسب الشباب مهارات القيادة وصناعة القرارات من خلال التطوع؟ 

    بقلم /تنسيم الريدي بالتزامن مع اليوم العالمي لمهارات الشباب، تتجدد أهمية تسليط الضوء على الاستثمار في الشباب المصري باعتباره أحد أهم مقومات التنمية وبناء المستقبل. ويبلغ عدد الشباب في مصر…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *