كتب /علاء الشيخ
تحقيق صحفي يفتح ملف المؤهلات العلمية لرئيس الإدارة المركزية للموارد البشرية بالهيئة العامة للتأمين الصحى ،
بين الوثائق ، وضوابط شغل الوظائف القيادية ، وحق الرأي العام في المعرفة والإنصاف
في معارك الرأي العام ، قد تسبق الاتهاماتُ الأدلةَ ، وقد تتحول التساؤلات المشروعة إلى أحكام مسبقة ، فيما تُترك الحقيقة معلقة بين روايات متضاربة لا يحسمها إلا الرجوع إلى الوثائق الأصلية والجهات المختصة. وعندما يتعلق الأمر بمسؤول يتولى موقعًا قياديًا في مؤسسة عامة ، فإن المسألة تصبح أكثر حساسية؛ إذ يتقاطع حق المجتمع في الرقابة والمساءلة مع حق الأفراد في صون سمعتهم المهنية ، وعدم إخضاعهم لأحكام لا تستند إلى أدلة مكتملة.
من هذا المنطلق، يفتح هذا التحقيق ملف المؤهلات العلمية للأستاذة الدكتورة إيناس النحاس، رئيس الإدارة المركزية للموارد البشرية بالهيئة العامة للتأمين الصحي، في محاولة للفصل بين ما تعرضه المستندات المتاحة ، وما يحتاج إلى تحقق رسمي، وما قد تثيره المسألة من تساؤلات بشأن شروط شغل الوظائف القيادية بالجهاز الإداري للدولة.
السؤال هنا ليس من يؤيد المسؤولة أو يعارضها ، ولا من يملك رواية أعلى صوتًا ، وإنما: ما الذي تثبته الأوراق بالفعل؟ وما الذي لا يزال بحاجة إلى توثيق؟ وهل يمكن بناء موقف مهني أو قانوني من مؤهلات علمية أو مسار وظيفي قبل استكمال الفحص والتحقق؟
إن الإجابة لا ينبغي أن تُستمد من الانطباعات، بل من الأدلة.
أولًا: المؤهلات العلمية تحت مجهر الوثائق
تُظهر المستندات المصورة المعروضة للفحص بيانات تتعلق بمؤهلات علمية منسوبة إلى إيناس مصطفى النحاس سيد علي، وتشير إلى حصولها على درجات علمية في مجالات مختلفة ، من بينها العلوم الطبية البيطرية، وإدارة لوجستيات المستشفيات ، وإدارة الأعمال.
وتتضمن البيانات الظاهرة في المستندات ما يلي:
1- بكالوريوس العلوم الطبية البيطرية
تشير بيانات الشهادة المنسوبة إلى جامعة بنها إلى حصول صاحبة الشأن على درجة البكالوريوس في العلوم الطبية البيطرية، ضمن برنامج مراقبة جودة الأغذية ش، بتقدير عام جيد.
2- ماجستير إدارة لوجستيات المستشفيات
وتشير بيانات شهادة أخرى منسوبة إلى الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري إلى حصولها على درجة الماجستير في إدارة لوجستيات المستشفيات، بتقدير ممتاز.
3- دكتوراه إدارة الأعمال
كما يرد ضمن المعلومات المقدمة بشأن المسار العلمي لصاحبة الشأن حصولها على درجة الدكتوراه في إدارة الأعمال من جامعة عين شمس.
لكن، من الناحية الصحفية والمهنية، ثمة فارق جوهري بين عرض البيانات الواردة في مستندات متاحة وبين الجزم النهائي بصحة كل مؤهل أو استيفائه جميع المتطلبات الأكاديمية والقانونية.
فإثبات صحة الشهادات على نحو قاطع يستلزم، عند وجود تساؤلات جدية بشأنها، الرجوع إلى الجهات التعليمية المانحة، والتحقق من سجلات منح الدرجات العلمية وتواريخها وطبيعتها، فضلًا عن مراجعة المستندات الأصلية ذات الصلة.
ومن ثم، فإن هذا التحقيق لا يتعامل مع الصور المتاحة باعتبارها بديلًا عن الإفادات الرسمية، ولا يعتبر مجرد تداول الشهادات دليلًا نهائيًا على صحتها أو بطلانها، وإنما يضعها في إطارها الصحيح: مستندات تستحق الفحص الموضوعي كلما ثارت بشأنها تساؤلات محددة تستوجب التحقق.
فالوثيقة لا تكتسب حجيتها من تداولها، وإنما من ثبوت مصدرها وصحة بياناتها.
ثانيًا: هل اختلاف التخصصات دليل على عدم الأهلية؟
من بين النقاط التي تستحق الفحص التمييز بين التخصصات العلمية التي حصلت عليها صاحبة الشأن، وطبيعة الوظيفة القيادية التي تتولاها في الإدارة المركزية للموارد البشرية بالهيئة العامة للتأمين الصحي.
وهنا يجب التوقف أمام مسألة أساسية: هل يؤدي اختلاف التخصص الجامعي عن مجال العمل الإداري، في حد ذاته، إلى عدم الأهلية لشغل الوظيفة؟
الإجابة لا يمكن أن تُبنى على الانطباعات أو المقارنات المجردة بين أسماء الشهادات والوظائف، بل تستلزم مراجعة القواعد القانونية المنظمة لشغل الوظيفة محل البحث.
فالحكم على مدى استيفاء شروط الوظيفة يتطلب الاطلاع على بطاقة الوصف الوظيفي المعتمدة، وشروط شغلها، والمؤهلات والتخصصات المقبولة، ومستوى المجموعة الوظيفية والدرجة المطلوبة، فضلًا عن طبيعة الإجراء الذي شغلت بموجبه صاحبة الشأن موقعها، سواء أكان تعيينًا أم ترقية أم ندبًا أم تكليفًا، بحسب الأحوال.
كما ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور مختلفة:
– صحة المؤهل العلمي: وهي مسألة تُحسم بالرجوع إلى الجهة المانحة والسجلات الأكاديمية المعتمدة.
– مدى الاعتداد بالمؤهل لأغراض الوظيفة: وهي مسألة ترتبط بالقواعد المنظمة للمؤهلات والتخصصات المقبولة.
– مدى استيفاء شروط شغل الوظيفة القيادية: وهي مسألة تتطلب فحص المستندات الوظيفية والقرارات ذات الصلة وفقًا للقواعد القانونية المنطبقة.
ولا يجوز دمج هذه المسائل في حكم واحد، أو اعتبار إحداها دليلًا تلقائيًا على الأخرى.
وبالتالي، فإن إثبات حصول مسؤول على درجة علمية لا يكفي وحده لإثبات استيفائه جميع شروط الوظيفة، كما أن اختلاف تخصصاته لا يكفي وحده لنفي أهليته.
الحسم هنا ليس للانطباع، وإنما للنص القانوني وبطاقة الوصف الوظيفي والمستندات الرسمية.
ثالثًا: أين تقف الحقيقة بين التساؤل والاتهام؟
في ظل ما أُثير من تساؤلات بشأن المسار العلمي والمهني للدكتورة إيناس النحاس، تبرز ضرورة تحديد طبيعة الادعاءات المتداولة، ومصادرها، والأدلة التي تستند إليها.
فثمة فارق كبير بين طرح سؤال مشروع حول مؤهل علمي أو شرط وظيفي، وبين الجزم بوجود مخالفة دون تقديم مستندات تثبتها.
كما أن وجود خلافات إدارية، إن وُجدت، لا يمثل دليلًا على صحة اتهام أو بطلانه، ولا ينبغي أن يتحول إلى معيار للحكم على المؤهلات أو المسار الوظيفي.
ومن هنا، فإن أي ادعاء محدد بشأن صحة شهادة أو استيفاء شروط وظيفة يجب أن يُفحص بصورة مستقلة، بعيدًا عن المواقف الشخصية، أو التقييمات العامة للأداء، أو محاولات تفسير الوقائع من خلال الخصومة.
وفي المقابل، لا يجوز اتخاذ الحديث عن التشويه أو استهداف السمعة وسيلة لإغلاق باب الأسئلة المشروعة؛ فالمناصب العامة تخضع للمساءلة، والشفافية تقتضي إتاحة المعلومات القابلة للتحقق، متى كان ذلك في إطار القانون.
المعيار المهني إذن يجب أن يكون واحدًا: لا اتهام بلا دليل، ولا حصانة من المساءلة، ولا إدانة قبل التحقق.
رابعًا: الموارد البشرية.. مسؤولية إدارية تستوجب معايير واضحة
تكتسب هذه القضية أهميتها من طبيعة الموقع الوظيفي الذي تتولاه صاحبة الشأن؛ فالإدارة المركزية للموارد البشرية تضطلع بملفات تتصل بالهيكل الوظيفي، وشؤون العاملين، وتطبيق القواعد المنظمة للعمل، وغيرها من المسائل التي تؤثر في الأداء المؤسسي وحقوق الموظفين.
ولهذا، فإن تقييم شاغل هذا الموقع ينبغي أن يستند إلى محورين متكاملين.
المحور الأول: المشروعية الوظيفية.
ويشمل مدى استيفاء شروط شغل الوظيفة، وسلامة الإجراءات والقرارات الصادرة بشأنها، وصحة المستندات المقدمة في هذا السياق.
المحور الثاني: الكفاءة والأداء.
ويشمل القدرة على إدارة الملفات، واحترام القواعد المنظمة لشؤون العاملين، والتعامل مع التظلمات، وتحقيق العدالة الوظيفية، وقياس نتائج العمل بمؤشرات واضحة.
ولا يغني أحد المحورين عن الآخر؛ فاستيفاء شروط الوظيفة لا يمنع تقييم الأداء، كما أن تحقيق نتائج إدارية إيجابية لا يعفي من الالتزام بالضوابط القانونية.
وهذا هو المعيار الذي ينبغي تطبيقه على جميع المسؤولين دون استثناء، بعيدًا عن الاعتبارات الشخصية أو الانطباعات المسبقة.
خامسًا: ما الذي ينبغي التحقق منه لحسم الملف؟
حتى ينتقل النقاش من دائرة الجدل إلى نطاق الحقائق القابلة للإثبات، فإن حسم التساؤلات المتعلقة بالمؤهلات والمسار الوظيفي يتطلب استكمال مجموعة من الإجراءات المهنية المحددة.
أولًا: مخاطبة الجهات التعليمية المختصة.
للتحقق من صدور الشهادات المنسوبة إلى جامعة بنها، والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، وجامعة عين شمس، وصحة البيانات الأكاديمية المتعلقة بها، وفقًا للإجراءات الرسمية المتبعة.
ثانيًا: مراجعة الملف الوظيفي المعتمد.
للوقوف على المؤهلات المقدمة عند شغل الوظيفة، والقرارات الصادرة بشأنها، وتاريخ شغل الموقع، والإجراء القانوني الذي تم بموجبه.
ثالثًا: الاطلاع على بطاقة الوصف الوظيفي.
لتحديد شروط شغل وظيفة رئيس الإدارة المركزية للموارد البشرية، والمؤهلات والخبرات المطلوبة، ومدى انطباقها على الحالة محل البحث وفقًا للقواعد السارية وقت اتخاذ القرار.
رابعًا: مراجعة الإطار القانوني المنظم لشغل الوظائف القيادية.
بما يشمل القوانين واللوائح والقرارات ذات الصلة، دون الاكتفاء بتفسيرات عامة أو اجتزاء نصوص قانونية من سياقها.
خامسًا: إتاحة حق الرد.
وذلك بمنح الدكتورة إيناس النحاس فرصة واضحة للرد على التساؤلات المحددة، وتقديم ما تراه من مستندات أو إيضاحات، مع عرض ردها بأمانة ومهنية.
هذه الإجراءات ليست تفاصيل شكلية، بل هي الطريق الصحيح للوصول إلى نتيجة يمكن للرأي العام الاطمئنان إليها، ويمكن الاستناد إليها في أي تقييم مهني أو قانوني.
سادسًا: الإنصاف ليس دفاعًا مطلقًا.. والمساءلة ليست إدانة مسبقة
إن الدفاع عن حق مسؤول في عدم التشهير به لا يعني منحه حصانة من النقد، كما أن المطالبة بالشفافية لا تمنح أحدًا الحق في إطلاق اتهامات غير مثبتة.
فالصحافة المهنية لا تُقاس بقدرتها على الانحياز إلى طرف، وإنما بقدرتها على فحص الروايات المتعارضة، والتمييز بين المعلومة والادعاء، وبين الشبهة والدليل، وبين السؤال المشروع والحكم النهائي.
وفي هذه القضية تحديدًا، لا يكون الإنصاف بإعلان صحة جميع المؤهلات قبل التحقق الرسمي، ولا بترديد اتهامات بشأنها دون أدلة، وإنما بإجراء فحص مستقل يضع المستندات أمام الجهات المختصة، ويمنح صاحبة الشأن حق الرد، ويتيح للرأي العام معرفة ما تثبته الوقائع بالفعل.
وإذا أسفر التحقق عن ثبوت صحة المؤهلات واستيفاء شروط الوظيفة، وجب عرض النتيجة بوضوح، وتصحيح أي معلومات ثبت عدم صحتها.
أما إذا كشف الفحص عن مخالفة محددة، فيجب بيان طبيعتها وأدلتها، وإحالتها إلى الجهات المختصة لاتخاذ ما يلزم وفقًا للقانون، دون تهوين أو تهويل.
فالحقيقة لا تخشى الفحص، والشفافية لا تتحقق بإخفاء الأسئلة، والعدالة لا تستقيم إلا بتطبيق المعيار نفسه على الجميع.
كلمة أخيرة: لا تجعلوا الخلاف حكمًا.. ولا الشائعة وثيقة
في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر باسم مسؤول أو منصب إداري فحسب، بل بمبدأ ينبغي أن يحكم الحياة العامة: حق المجتمع في المعرفة، وحق المؤسسات في المساءلة، وحق الأفراد في ألا تُمس سمعتهم المهنية بادعاءات لم تثبت صحتها.
إن كان هناك اعتراض على أداء الدكتورة إيناس النحاس، فليُطرح بأرقام ووقائع وقرارات قابلة للفحص. وإن كانت هناك تساؤلات بشأن مؤهلاتها العلمية، فلتُحسم بمخاطبة الجهات التعليمية المختصة. وإن كانت هناك شبهة مخالفة لشروط شغل الوظيفة، فلتُراجع المستندات الوظيفية والنصوص القانونية المنظمة لها.
أما تحويل التساؤلات إلى أحكام نهائية قبل استكمال التحقق، فلن يخدم الإصلاح الإداري، ولن يحقق الشفافية، ولن يمنح الرأي العام حقيقة مكتملة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل ما يُثار بشأن الدكتورة إيناس النحاس يستند إلى وقائع موثقة تستوجب المساءلة، أم أن بعض ما يُتداول لا يزال في دائرة الادعاءات التي تحتاج إلى إثبات؟
لا يمكن تقديم إجابة مهنية حاسمة عن هذا السؤال إلا بعد استكمال الفحص والرجوع إلى المصادر الرسمية.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة الصحافة الحقيقية؛ فهي ليست محكمة تصدر أحكامها من صور المستندات، وليست منصة لتصفية الحسابات، وليست أداة لمنح صكوك البراءة أو الإدانة.
إنها سلطة البحث والتحقق، وميزانها الوثيقة، ومرجعها القانون، وغايتها أن تصل إلى الحقيقة كاملة، مهما كانت النتيجة، وأن تمنح كل ذي حق حقه.
ففي ميزان الصحافة، لا تكفي الشبهة لإدانة أحد، ولا تكفي الرواية لنفيها؛ وحدها الحقيقة الموثقة تستحق أن تكون حكمًا أخيرًا.
وللحديث بقية







