إحذر الشمعة صفر 0

العقل الجمعي بين التضخيم والتضليل

تقتحمه الكاتبه سبيله عبد الوهاب  

​في عصرِ السيولة الرقمية، لم تعد الشائعة مجرد خبرٍ كاذب يتردد في الأزقة، بل تحولت إلى بنية معرفية موازية يصنعها العقل الجمعي من العدم، تلتهم العقول وتُغيّب الوعي.
ما إن تقع فاجعة، أو يرحل نجم بشكل مفاجئ، حتى تنشط ماكينة التأويل والتضخيم، باحثة في دفاتر الماضي القريب عن رموز أو دلائل تصنع منها نبوءة درامية. شمعة انطفأت، رقم كُتب على كعكة ميلاد، إيماءة عابرة في مقطع فيديو قديم.. كلها تتحول فجأة في عيون الملايين إلى (إشارات ميتافيزيقية) حتمية، لا تمط للعلم ولا للدين بصلة، لكن الجميع يصدقها ويرددها دون تفكر أو تعقل.
​فلماذا يسقط العقل البشري بهذه السهولة في هاوية التضليل؟ وكيف يُقاد القطيع الرقمي عبر الرموز غامضة المصدر؟

​العقل البشري بطبيعته يكره الفراغ التفسيري. عندما يصطدم الإنسان بحدث كالموت المفاجئ، يعيش حالة من العجز الصادم؛ وهنا يتدخل علم النفس ليفسر لنا ما يُعرف بـ الانحياز للإدراك المتأخر.
يبدأ العقل رحلة بحث عكسية في التاريخ الشخصي للضحية، ليعيد تركيب الأحداث العادية ويمنحها صبغة إعجازية أو شؤمية.
​لو عشنا حياتنا نراقب كل حركة أو رقم، لوجدنا آلاف المصادفات اليومية التي لا تعني شيئاً، لكن العقل الجمعي يُضخم تلك المصادفة (مثل رمز الشمعة صفر أو غيرها من الإشارات) ويغلفها بهالة من الروحانية الزائفة ليخفف من وطأة المفاجأة، محولاً المصادفة البحتة إلى قدرٍ تم التنبؤ به.

​إن سهولة توجيه العقل البشري في غياب الوعي والعلم تعتمد على ثلاث ركائز أساسية تتحكم في سيكولوجية الجماهير:
​العدوى العاطفية: الجماهير لا تفكر برأسها، بل تقرأ بقلبها. المشاعر تتدفق عبر وسائل التواصل كالكهرباء، ومجرد منشور واحد يحمل نبرة تراجيدية كفيل بأن يحرك طوفاناً من التعاطف الأعمى الذي يتبنى الخرافة دفاعاً عن العاطفة.
​غياب المنهج العلمي الحاكم: عندما يفتقد المجتمع لأدوات التفكير النقدي (البحث، الفحص، ومقارنة المقدمات بالنتائج)، يصبح بيئة خصبة للباريدوليا الفكرية – وهي نزوع العقل البشري لإيجاد روابط ومعانٍ بين أشياء منفصلة تماماً لا رابط بينها.
​شهوة الـ Trend وصناعة الأساطير: المنصات الرقمية تقتات على الإثارة. والتحليل العقلاني البارد لا يجلب التفاعل، بينما القصة المأساوية المغلفة بالغموض تصنع ملايين المشاهدات؛ وهنا يتحول التضليل من مجرد جهل فردي إلى تجارة وصناعة يشارك فيها الجميع بالضغط على أزرار المشاركة.
​بين منطق العلم وسماحة الأثر
​إذا فككنا هذه الظواهر التشاؤمية، سنجد أنها أبعد ما تكون عن الحقيقة العلمية التي تؤمن بالسببية، وعن الحقيقة الدينية الدقيقة. في الأثر الإسلامي والتراث العربي الأصيل، هدمٌ تام لكل هذه الخرافات البصرية.
لقد حارب الدين الطيرة (التشاؤم من الأرقام، الأشكال، أو الطيور) واعتبرها جهالة تُنقص من كمال العقل والتوكل. القاعدة واضحة وثابتة: لا طِيرَةَ، وَخَيْرُهَا الفَأْلُ. والأعمار لا تُنبئ عنها حركة، ولا شمعة احتفال، ولا رمز عابر، بل هي كتاب مُؤجل لا يعلم ميقاته إلا صاحب الميقات.

​إن السقوط في هاوية العقل الجمعي يعني التخلي عن أثمن ما يملكه الإنسان: فردانية التفكير. إن تصديق الخرافات وترديدها دون تعقل يحول المجتمعات إلى كيانات هشة، تُساق بالشائعة وتُوجّه بالرمز الوهمي.
​النجاة من هذه الهاوية تتطلب وقفة حازمة مع النفس؛ تتطلب ألا نكون أبواقاً تردد ما لا تدرك، وأن نزن الأمور بميزان العلم الراسخ والدين الصحيح. لن يتوقف العقل الجمعي عن التضليل، طالما أننا نمنحه عقولنا طواعية ليصوغ بها وعينا الزائف.
حان الوقت لنكسر دائرة الترديد، ونسترد وعينا الغائب بالبحث والتعقل واليقين.

  • Related Posts

    نظرة عميقه في تحولات الموارد الأجنبية في مصر2025

    إعدادالعميد دكتور/ محمد حجاب باحث ومحلل في الشؤون الإقليمية والاقتصادية والسياسية المستخلص يتناول هذا المقال التحولات التي شهدتها الموارد الأجنبية في الاقتصاد المصري خلال عام 2025، في ضوء بيانات البنك…

    إلي اين يصل بنا الانحدار الفكري و التردي الأخلاقي الذي نعيشه !؟

    بقلم الكاتبه / سبيله عبد الوهاب  نعيش اليوم في زمن يبدو للوهلة الأولى وكأن كل شيء فيه يتهاوى. انحدار قيمي، وتردٍّ معرفي، وما يمكن وصفه بـ (المزبلة الأخلاقية والابتذال الفكري)…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *