بقلم / وليد خضر
متخصص قي الشئون السياسية والعسكرية والامن القومي وحروب الجرثومة الاعلامية

لم تعد الصحافة في بلادنا مهنة البحث عن الحقيقة، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى ساحة مستباحة، ومستنقع يطفو على سطحه كل من هبّ ودبّ. إن ما نشهده اليوم ليس مجرد “تراجع إعلامي”، بل هو انتحار مهني كامل الأركان، يقوده جيل من الأدعياء والجهلاء وغير المتخصصين الذين تصدروا المشهد غصبًا، متسلحين بـ “أرقام المشاهدات” و”هوس التريند”، فضربوا بالقيم الوطنية، والمعايير المهنية، والأمن القومي عرض الحائط.
سيادة العبث.. كيف تحول “الميكروفون” إلى سلاح ذبح وعي الأمة؟
إن إقصاء أهل العلم والتخصص والمصداقية من أبناء الجماعة الصحفية والإعلامية الحقيقية، وفتح الأبواب على مصراعيها للهواة، والبلوجرز، وصنّاع المحتوى التافه، قد خلق مشهدًا مشوهًا.
لقد تحول الإعلام على أيدي هؤلاء الدخلاء إلى أداة لتزييف الوعي وتسطيح العقول، حيث تُدار القضايا المصيرية لبلد بحجم مصر بعقلية “المهرج” الذي يبحث عن تفاعل رخيص (Likes & Shares). هؤلاء لا يدركون أبعاد الكلمة، ولا يفقهون خطورة الشائعة، ولا يعنيهم في هذا الوطن سوى “اللقطة” و”السبق المزيف”، حتى لو كان ثمن ذلك إثارة الفتنة أو بث الإحباط في نفوس المواطنين.
الآثار الكارثية لتصدر غير المتخصصين
-
تدمير الهوية والذوق العام: نشر الإسفاف، والتركيز على الفضائح الفردية، وتهميش القضايا التنموية والفكرية.
-
تهديد الأمن القومي: المعالجة الجاهلة للملفات الحساسة (سياسيًا واقتصاديًا) تمنح أعداء الوطن بالخارج مادة دسمة للتشهير والتحريض.
-
موت المهنية: غياب التدقيق، واختفاء التحقيق الصحفي الرصين، واستبداله بـ “القص واللصق” والسرقات الفكرية.
إسقاط ومناشدة: لابد من “مشرط الجراح” بقرار رئاسي
إن هذا العبث المستشري في جسد الإعلام المصري لم يعد يحتمل المسكنات، ولا الصمت من الجهات التنظيمية التي وقفت عاجزة ـ أو متفرجة ـ أمام هذا التمدد العشوائي للدخلاء.
لذلك، لم يعد هناك مفر من تدخل حاسم ومباشر من السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي.
إن مصر التي تبني جمهوريتها الجديدة على قواعد العلم والتخصص والإنتاج، لا يمكن أن تترك وعي شعبها أسيرًا لثلة من الهواة والعابثين. إننا بحاجة إلى إعادة صياغة كاملة وجذرية للسياسة الإعلامية والصحفية في مصر، تنطلق من التوجيهات الرئاسية لتنفيذ “قاعدة جديدة” صارمة لا مجاملة فيها:
-
بتر الدخلاء: منع أي شخص غير مقيد بنقابة الصحفيين أو الإعلاميين، وغير مؤهل علميًا وعمليًا، من تصدر الشاشات أو قيادة المؤسسات والمواقع الصحفية.
-
إعلاء أهل التخصص: إعادة الاعتبار للصحفيين والإعلاميين الحقيقيين الذين نالوا من العلم حظًا، ومن الخبرة تاريخًا، ليكونوا هم حائط الصد الأول عن وعي هذا الوطن.
-
تطبيق القانون بحسم: محاسبة كل من يسيء استخدام المنابر الإعلامية لنشر الجهل أو تضليل الرأي العام، واعتبار العبث بالوعي الجمعي مساسًا مباشرًا بالأمن القومي.
كلمة أخيرة: إن بناء المصانع والطرق والمدن الذكية يحتاج بالتوازي إلى بناء عقل ذكي وواعٍ. ولن ينصلح حال العقل المصري ما دام “الميكروفون” في يد من لا يستحقه، وما دامت الصحافة مستباحة لغير أهلها. إنها دعوة لإنقاذ ما تبقى من وعي، بقرار سياسي حازم يضع حدًا لزمن اليرقات، ويعيد لصحافة مصر هيبتها وريادتها.





