بقلم / عميد دكتور ..محمد حجاب
## مقدمة
تمثل العودة الحوثية إلى التصعيد العسكري تطوراً يتجاوز حدود الساحة اليمنية، ليعكس تحولاً أعمق في طبيعة الصراع الإقليمي وآليات إدارة القوة في الشرق الأوسط. فالحوثيون لم يعودوا مجرد فاعل محلي منخرط في حرب أهلية ممتدة، بل أصبحوا جزءاً من منظومة إقليمية تتداخل فيها اعتبارات الأمن البحري، وموازين الردع، والتنافس بين القوى الكبرى.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية قراءة التصعيد الأخير باعتباره محاولة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك، وإعادة توزيع أوراق الضغط في لحظة تشهد فيها المنطقة أعلى مستويات التوتر والتداخل بين الساحات المختلفة.
## أولاً: دلالات العودة إلى المواجهة
تكشف العودة الحوثية إلى التصعيد عن إدراك متزايد لدى الحركة بأن النفوذ في البيئة الإقليمية المعاصرة لم يعد يقاس فقط بالسيطرة الجغرافية أو القدرات العسكرية التقليدية، بل بمدى القدرة على التأثير في المصالح الحيوية للخصوم.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم التصعيد باعتباره محاولة للحفاظ على المكانة السياسية والعسكرية للحركة ضمن المشهد الإقليمي. فالفواعل المسلحة غير التقليدية تواجه دائماً تحدياً يتمثل في المحافظة على حضورها وتأثيرها خلال فترات الهدوء النسبي، ولذلك يصبح التصعيد أداة لإعادة إنتاج الأهمية الاستراتيجية وإجبار الأطراف الدولية على إعادة احتساب وزنها في المعادلات القائمة.
كما أن هذه العودة تعكس انتقال الحركة من مرحلة الدفاع عن المكاسب إلى مرحلة توظيف تلك المكاسب في إنتاج نفوذ سياسي يتجاوز الحدود اليمنية.
## ثانياً: التوقيت بين الضرورات المحلية والحسابات الإقليمية
نادراً ما تكون توقيتات التصعيد في الشرق الأوسط منفصلة عن البيئة الإقليمية المحيطة. فاختيار اللحظة الراهنة يعكس قراءة دقيقة لمشهد يتسم بتعدد الأزمات وتوزع الاهتمام الدولي على أكثر من جبهة.
في ظل انشغال القوى الكبرى بملفات أمنية واستراتيجية متشابكة، تزداد قدرة الفاعلين المحليين على المناورة وفرض وقائع جديدة. ولذلك يبدو التصعيد الحوثي محاولة لاستثمار حالة التشتت الاستراتيجي التي تعاني منها القوى الدولية، ورفع كلفة تجاهل الملف اليمني أو التعامل معه باعتباره قضية ثانوية.
كذلك فإن التوقيت يرتبط بسعي الحركة إلى ربط موقعها السياسي بالتطورات الإقليمية الكبرى، بحيث تصبح أي تسوية أو ترتيبات أمنية مستقبلية في المنطقة مضطرة إلى أخذ مصالحها وحساباتها بعين الاعتبار.
## ثالثاً: الحصار غير المباشر كأداة استراتيجية
من أبرز سمات الصراعات الحديثة الانتقال من مفهوم الحصار التقليدي إلى مفهوم الحصار غير المباشر. فبدلاً من منع الحركة التجارية بشكل كامل، يجري استهداف البيئة التشغيلية التي تعتمد عليها التجارة العالمية.
ويتحقق ذلك عبر خلق مخاطر مستمرة على الملاحة، ورفع تكاليف التأمين، وإجبار الشركات على تغيير مساراتها، وهو ما يؤدي في النهاية إلى آثار اقتصادية قد تفوق أحياناً نتائج العمليات العسكرية المباشرة.
ضمن هذا الإطار، تسعى الحركة إلى استخدام موقعها الجغرافي على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية كوسيلة ضغط استراتيجية. فالقدرة على التأثير في تدفقات التجارة الدولية تمنح الفاعل المحلي وزناً يتجاوز بكثير إمكاناته العسكرية التقليدية.
وهنا تتجسد معادلة جديدة مفادها أن التأثير في الاقتصاد العالمي أصبح أحد أهم أشكال القوة السياسية في القرن الحادي والعشرين.
## رابعاً: رسائل الردع الموجهة إلى الولايات المتحدة
يحمل التصعيد الحالي رسائل متعددة المستويات إلى الولايات المتحدة. أولها أن أدوات القوة العسكرية التقليدية قد تكون قادرة على إضعاف القدرات العملياتية للحركة، لكنها لا تنجح بالضرورة في إنهاء قدرتها على إنتاج التهديد أو إعادة بناء أدوات الضغط.
أما الرسالة الثانية فتتمثل في أن أمن الممرات البحرية لم يعد ملفاً فنياً أو عسكرياً فحسب، بل أصبح جزءاً من الصراعات السياسية الأوسع في المنطقة. وبالتالي فإن أي مقاربة أمنية لا تراعي السياقات السياسية المحيطة ستظل عاجزة عن تحقيق استقرار مستدام.
وتحمل الرسالة الثالثة بعداً ردعياً واضحاً، مفاده أن تكلفة الانخراط العسكري ضد الفاعلين غير الدولتيين لم تعد محصورة في ساحة المواجهة المباشرة، بل يمكن أن تمتد إلى الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية.
## خامساً: تعدد ساحات المواجهة وتحول طبيعة الصراع
أحد أهم التحولات الاستراتيجية في المنطقة يتمثل في انهيار مفهوم الجبهة الواحدة. فالصراع بات موزعاً على مساحات جغرافية ووظيفية متعددة تشمل البر والبحر والمجال الجوي والاقتصاد والإعلام.
ويُظهر النموذج الحوثي كيف يمكن لفاعل غير دولتي أن يدير صراعاً متعدد الأبعاد مستخدماً أدوات متباينة التأثير. فالمواجهة لم تعد تعتمد حصراً على الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإنما تشمل أيضاً توظيف الجغرافيا البحرية والضغط الاقتصادي والتأثير النفسي والسياسي.
هذا التحول ينسجم مع الاتجاهات الحديثة في الدراسات الاستراتيجية التي ترى أن الحروب المعاصرة أصبحت شبكية الطابع، حيث تتداخل المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية في إطار صراع واحد.
## سادساً: من الردع الصاروخي إلى حروب الممرات البحرية
إذا كانت المرحلة السابقة قد اتسمت بالاعتماد المكثف على الصواريخ والطائرات المسيّرة بوصفها أدوات للردع غير المتماثل، فإن المرحلة الحالية تشهد انتقالاً تدريجياً نحو ما يمكن تسميته بـ”حروب الممرات البحرية”.
ويعكس هذا التحول إدراكاً متزايداً بأن التأثير في حركة التجارة العالمية يوفر مكاسب استراتيجية أكبر من بعض العمليات العسكرية المباشرة. فالممرات البحرية تمثل شرايين الاقتصاد العالمي، وأي اضطراب فيها ينعكس سريعاً على الأسواق وسلاسل الإمداد وأسعار النقل والطاقة.
ومن ثم فإن السيطرة على معادلة التهديد البحري أصبحت جزءاً أساسياً من معركة النفوذ الإقليمي، وجزءاً من أدوات الردع التي تستخدمها الأطراف غير التقليدية في مواجهة القوى الكبرى.
## خاتمة
تكشف العودة الحوثية إلى المواجهة عن مرحلة جديدة في تطور الصراع الإقليمي، مرحلة تتراجع فيها أهمية الحدود الجغرافية التقليدية لصالح معادلات أكثر تعقيداً ترتبط بالأمن البحري والاقتصاد العالمي وشبكات الردع المتبادلة.
وفي هذا السياق، لا يبدو التصعيد مجرد حدث عسكري عابر، بل تعبيراً عن تحول استراتيجي أوسع يتمثل في انتقال مركز الثقل من ساحات القتال التقليدية إلى الممرات الحيوية التي تتحكم في تدفقات التجارة والطاقة. ومع استمرار تعدد ساحات المواجهة، ستبقى القدرة على التأثير في هذه الممرات أحد أهم مصادر القوة والنفوذ في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.





