من المنتصر ؟

بقلم عميد دكتور / محمد حجاب 

يعتبر الاتفاق الذى تمت مراحله الاولى بين امريكا وطهران مغضوب عليه من الجميع بالرغم من التوقيع فهذا المشهد يجسد إحدى أعقد المفارقات في السياسة الدولية وصراعات القوى؛ حيث يقف كلا الطرفين في النهاية ليشعر بمرارة الهزيمة بدلاً من نشوة الانتصار.

عندما يتفق الداخل في واشنطن والداخل في طهران على شيء واحد وهو “أننا خسرنا”، فنحن أمام حالة نموذجية لما يُعرف في العلوم السياسية بـ *”أزمة التوقعات القصوى”* و *”فخ التسويات”*.

وإليكم تفكيكاً لسبب شعور كل جبهة داخلية بالهزيمة، وكيف ينظرون إلى نفس الاتفاق من زاويتين متعاكستين تماماً:

أولاً: لماذا يشعر الداخل الأمريكي بالهزيمة؟

بالنسبة للصقور في واشنطن والمراقبين الأمريكيين، ما حدث هو تراجع مهين لقوة عظمى أمام قوة إقليمية، وذلك للأسباب التالية:

**سقوط الأهداف القصوى:* بدأت الحرب بوعود وأهداف عالية السقف (مثل تدمير القدرات العسكرية الإيرانية بالكامل، أو تغيير النظام، أو فرض استسلام غير مشروط). انتهاء المعركة باتفاق “مؤقت” يبدو كاعتراف بالعجز عن تحقيق هذه الأهداف.

*الرضوخ للضغط الميداني:* تقديم تنازلات مالية أو سياسية لإيران لفتح “مضيق هرمز” يُقرأ في الداخل الأمريكي على أنه رضوخ لابتزاز. هذا يضر بهيبة الردع الأمريكية ويُرسل رسالة سلبية لحلفاء واشنطن في المنطقة، وعلى رأسهم إسرائيل، بأن أمريكا لا تستطيع أو لا تريد حمايتهم حتى النهاية.

* الخسائر بلا مكاسب نهائية:* تكلفة “حرب الـ 100 يوم” اقتصادياً وعسكرياً كانت باهظة. الخروج منها بمجرد تأجيل للأزمة لمدة 60 يوماً يُشعر الناخب ودافع الضرائب الأمريكي بأن الحرب كانت عبثية ولم تحقق أمناً مستداماً.

ثانياً: لماذا يشعر الداخل الإيراني بالهزيمة؟

في المقابل، يرى التيار الراديكالي في طهران أن المفاوضين الإيرانيين سرقوا منهم “نصراً تاريخياً” كان في متناول اليد، وذلك للأسباب التالية:

*التفريط في أداة الخنق مجاناً:* يرى المتشددون أن إغلاق مضيق هرمز كان السلاح الأمضى الذي وضع الاقتصاد العالمي وأمريكا في زاوية حرجة. التنازل عن هذه الورقة الرابحة مقابل وعود بفك تجميد أموال مشروطة يُعد في نظرهم “سذاجة تفاوضية” وتفريطاً في مكتسبات الحرب.

*إنقاذ العدو من الانهيار:* هناك قناعة في الداخل الإيراني بأن واشنطن كانت تعاني داخلياً واقتصادياً، وأن استمرار الاستنزاف كان سيجبرها على الاستسلام الكامل. القبول بالتسوية الآن يُعتبر إلقاء “طوق نجاة” لإدارة ترامب في اللحظة التي كانت تختنق فيها.

*فوبيا الخداع (عقدة الثقة):* لا يثق الداخل الإيراني في التعهدات الأمريكية. هم يرون أن فترة الـ 60 يوماً ليست تمهيداً للسلام، بل هي “فخ أمريكي” لكسب الوقت، وتهدئة أسواق النفط، وإعادة ترتيب الأوراق العسكرية الأمريكية لشن هجوم أوسع بعد أن تكون إيران قد فقدت تفوقها التكتيكي في مياه الخليج.

*مفارقة “اللاغالب واللامغلوب”*

ما يحدث هو النتيجة الطبيعية لانتقال الصراع من *”ميدان المعركة”* (حيث يطمح الجميع للنصر المطلق ) إلى *”طاولة المفاوضات”* (التي تُبنى دائماً على التنازلات المتبادلة).

*المفاوضون (في كلا البلدين):* يقيسون نجاحهم بـ “ما تم منعه من كوارث” (منع الانهيار الاقتصادي، أو الانزلاق لحرب شاملة لا تبقي ولا تذر).

*الداخل والمراقبون (في كلا البلدين):* يقيسون النجاح بـ “ما تم تحقيقه من الأهداف الأولى للحرب”.

لذلك، يبدو الاتفاق في نظر السياسيين “تسوية ضرورية”، بينما يبدو في نظر الشارع المتشدد في كلا البلدين “خيانة وهزيمة”. العميد دكتور محمد حجاب l رؤية استراتيجية عمار على حسن مركز أون ريسيرش للبحوث العلمية والاستشارات مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية @

  • Related Posts

    # الحوثيون والعودة إلى المواجهة: إعادة تشكيل أدوات الردع في معادلة الإقليم

    بقلم / عميد دكتور ..محمد حجاب  ## مقدمة تمثل العودة الحوثية إلى التصعيد العسكري تطوراً يتجاوز حدود الساحة اليمنية، ليعكس تحولاً أعمق في طبيعة الصراع الإقليمي وآليات إدارة القوة في…

    نعم لدعم غزة… لا للمساس بأمن مصر

     بقلم: أحمد الشرقاوي أمين الإعلام – حزب مستقبل وطن، أمانة المطرية – القاهرة التضامن لا يعني التوريط: موقف واضح من محاولة تمرير القوافل عبر حدودنا في الوقت الذي لا يشك…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *