بقلم / سبيله عبد الوهاب
ما طار طيرٌ وارتفع.. إلا وكما طار وقع!
يُخيل للإنسان في لحظات قوته، ونفوذه، واكتمال أسباب الدنيا بين يديه، أنه ملك أطراف الأرض، وأن كلمته هي السيف القاطع الذي لا يُثنى.
يسير في مناكبها بلسان حالٍ يصرخ (يا أرض اتهدي ما عليكي قدّي) ، متناسياً في غمرة هذا الجبروت والزهو، أن الأيام دول،، وأن هناك قوة فوق كل قوة، وعيناً لا تنام ترقب المستكبرين.
إنها سنة الله في الأرض، تلك التي لا تحابي أحداً؛
(ما طار طيرٌ وارتفع، إلا وكما طار وقع) حقيقة صاغتها التجارب الإنسانية وعمدتها الآيات القرآنية. فكم من (ثقيل) في ميزان القوة الدنيوية، صاحب هيبة تهتز لها الركاب، وجد نفسه بين ليلة وضحاها، مجرداً من كل أسلحته، يقف وحيداً، ضعيفاً، كأضعف خلق الله، يبحث عن قشة أمان فلا يجدها.
لقد نهانا الخالق العظيم جل في علاه عن التكبر والخيلاء، وحذرنا من داء (العُجب) الذي يعمي البصيرة قبل البصر. وفي كتابنا العزيز دستور واضح يضبط خطوتنا على هذه الأرض
[ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا] [الإسراء: 37]
هذا التحذير الإلهي ليس مجرد وعظ، بل هو إشفاق على الإنسان من مصير محتوم ينتظر كل من غفل عن حقيقة أن الله هو المُعزّ المُذلّ، هو الذي يعطي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء.
فالذي وهبك الهيبة قادر في لمح البصر أن يسلبها منك، ويجعل من هيبتك غباراً تذروه الرياح.
وإذا أردنا أن نترجم هذا القانون الكوني إلى واقع معاصر نعيشه ويراه الجميع، فلن نجد أقرب من نموذج قضية (صبري نخنوخ). ذلك الاسم الذي ارتبط لسنوات طويلة بسطوة البلطجة المنظمة، والنفوذ الذي تجاوز أحياناً سلطة القانون في أذهان الكثيرين.
رجلٌ كانت ترتعد من ذكره فرائص البعض، ويُحسب لحضوره وغيابه ألف حساب، ويحيط نفسه بترسانة من البشر والوحوش والأسلحة، كأنه في مأمن من غدر الزمان.
في لحظة حاسمة، تداعت تلك الإمبراطورية الورقية، ووجد الرجل الحديدي نفسه خلف القضبان، مجرداً من كل نفوذه، خاضعاً لمحاكمة عادلة تُثبت أن الدولة والقانون أقوى من أي فرد، مهما بلغت سطوته.
تتبدل الأحوال لترى من كان يملك الأرض طولاً وعرضاً، يقف مستسلماً لمصيره، في رسالة ربانية واضحة لكل من يعتقد أن الهيبة المكتسبة بالخوف والترهيب يمكن أن تدوم.
إن مشهد سقوط هذه الرموز الثقيلة ليس للشماتة، بل هو آية وموعظة لمن كان له قلب. هو تذكير بأن القوة الحقيقية هي قوة الحق والعدل، وأن النفوذ القائم على كسر قلوب الناس وظلمهم هو بناء شُيد على شفا جرفٍ هارٍ، ينهار بأصحابه في قاع النسيان والهوان.
والذكي هو من يمشي على الأرض هونا، يدرك أن المنصب يزول، وأن النفوذ ينتهي، وأن القوة تتبدد مع وهن الجسد وتغير الأزمان.
أيها السائر في دروب الزهو، تذكر دائماً: النعم عواري، تذهب وتجيء، ووحده الله الدائم. فاجعل هيبتك في قلوب الناس محبةً واحتراماً، لا خوفاً وجبروتاً، حتى إذا ما طرت وارتفعت، تجد من يبسط لك يد العون والدعاء يوم السقوط.. لا من يصفق فرحاً بوقوعك.




