رؤية العميد دكتور / محمد حجاب
خلافًا للتوقعات التي روجت لانهيار النظام الإيراني أو إضعافه بصورة جوهرية، تشير معظم التقديرات الصادرة عن مراكز الدراسات الاستراتيجية إلى أن الحرب الأمريكية–الإسرائيلية أسهمت في تعزيز نفوذ المؤسسات الأمنية والعسكرية داخل الجمهورية الإسلامية أكثر مما أسهمت في إضعافها. فالتجارب التاريخية تؤكد أن الدول التي تتعرض لتهديدات خارجية مباشرة تميل إلى إعادة توزيع القوة لصالح المؤسسات القادرة على إدارة الأزمات وتوفير الأمن، وهو ما ينطبق بدرجة كبيرة على الحالة الإيرانية.
لقد خرج الحرس الثوري من الحرب بوصفه المؤسسة الأكثر تماسكًا وتنظيمًا داخل الدولة الإيرانية. فبينما واجه الاقتصاد الإيراني ضغوطًا متزايدة، وتعرضت بعض البنى العسكرية والأمنية لخسائر متفاوتة، تمكن الحرس الثوري من الحفاظ على دوره المركزي في إدارة منظومة الردع الإيرانية، سواء من خلال القدرات الصاروخية أو الطائرات المسيّرة أو شبكات النفوذ الإقليمي.
وتشير تحليلات عدد من مراكز الأبحاث إلى أن التحدي الأكبر الذي تواجهه إيران خلال السنوات المقبلة لا يتعلق بالحرب نفسها، وإنما بمرحلة انتقال السلطة بعد المرشد الأعلى. ففي هذه المرحلة لن يكون الحسم بيد المؤسسات الدستورية وحدها، بل سيتوقف بدرجة كبيرة على توافقات النخبة الحاكمة، وعلى رأسها الحرس الثوري والمؤسسة الدينية. ومن هنا تبرز أهمية الحرس الثوري باعتباره “صانع توازنات” أكثر من كونه مجرد مؤسسة عسكرية.
ولا يبدو أن إيران تتجه نحو نموذج الحكم العسكري المباشر، إذ تدرك النخبة الحاكمة أن شرعية النظام ما زالت تستند إلى مبدأ ولاية الفقيه وإلى الإرث السياسي للثورة الإسلامية. لكن الاتجاه الأكثر ترجيحًا يتمثل في نشوء صيغة حكم تجمع بين استمرار الشرعية الدينية وتعاظم النفوذ الأمني، وهو ما يصفه بعض الباحثين بـ”الجمهورية الإسلامية الأمنية”، حيث يصبح الحرس الثوري الشريك الأكثر تأثيرًا في صنع القرار الاستراتيجي دون أن يحل رسميًا محل المؤسسات السياسية والدينية.
إقليميًا، تعني هذه التحولات أن دول الخليج وإسرائيل ستتعامل مع إيران أكثر اعتمادًا على منطق الردع والأمن القومي. كما أن مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط سيظل مرتبطًا إلى حد كبير بكيفية إدارة العلاقة بين ولاية الفقيه والحرس الثوري خلال مرحلة ما بعد الحرب. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان الحرس الثوري سيصل إلى السلطة، بل كيف سيعيد تشكيلها من داخل النظام نفسه.




