بقلم: المستشار خالد السيد
رئيس مجلس إدارة شركة رؤية للمحاماة والاستشارات القانونية والتحكيم والتدريب
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد سباق تقني بين الشركات العالمية أو القوى الاقتصادية الكبرى، بل أصبح أحد أهم ملفات الأمن القومي والسيادة الرقمية والاقتصاد العالمي. وفي خطوة تعد من أبرز التطورات الدولية في هذا المجال، شهدت مدينة شنغهاي الصينية توقيع 29 دولة على اتفاقية تأسيس المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي (WAICO)، لتكون أول منظمة حكومية دولية متخصصة في تعزيز التعاون العالمي وحوكمة الذكاء الاصطناعي، في تطور يعكس انتقال العالم من مرحلة تطوير التقنيات إلى مرحلة بناء المؤسسات التي ستضع القواعد المنظمة لمستقبلها.
وتسعى المنظمة إلى تعزيز التعاون الدولي في مجالات البحث والابتكار، ودعم الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، ووضع أطر ومعايير مشتركة للحوكمة، بما يحقق التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية الخصوصية، والأمن السيبراني، والحقوق والحريات، وتقليل الفجوة الرقمية بين الدول المتقدمة والدول النامية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية استثنائية لأنها تأتي في ظل احتدام المنافسة العالمية على قيادة قطاع الذكاء الاصطناعي، ليس فقط من خلال تطوير النماذج والتقنيات، بل أيضًا عبر صياغة التشريعات والمعايير الدولية التي ستحدد مستقبل استخدام هذه التكنولوجيا في الاقتصاد، والقضاء، والصحة، والتعليم، والأمن، والإدارة العامة.
ومن الناحية القانونية، تمثل المنظمة بداية مرحلة جديدة في حوكمة الذكاء الاصطناعي على المستوى الدولي، حيث يتوقع أن تسهم مستقبلًا في إعداد مبادئ ومعايير استرشادية قد تستند إليها الدول عند تطوير تشريعاتها الوطنية، خاصة فيما يتعلق بحماية البيانات، والمسؤولية القانونية عن أنظمة الذكاء الاصطناعي، والملكية الفكرية، والأمن السيبراني، والأخلاقيات الرقمية، وهو ما قد يجعلها أحد أهم المراجع الدولية في هذا المجال خلال السنوات المقبلة.
كما تحمل المنظمة أبعادًا اقتصادية وتنموية مهمة، إذ يمكن أن توفر للدول الأعضاء فرصًا أكبر لتبادل الخبرات، وبناء القدرات، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز الاستثمار في الاقتصاد الرقمي، بما يسهم في دعم التنمية المستدامة وتعزيز التنافسية العالمية.
ورغم أن مصر ليست ضمن الدول الـ29 المؤسسة التي وقعت على اتفاقية إنشاء المنظمة وفقًا للبيانات الرسمية المعلنة حتى الآن، فإن ذلك لا يقلل من أهمية متابعة هذا التطور عن كثب، خاصة في ظل امتلاك الدولة المصرية استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي، وسعيها إلى تعزيز التحول الرقمي، وتطوير البنية التشريعية والتقنية اللازمة لمواكبة الثورة الصناعية الرابعة. ومن المتوقع أن تظل أبواب التعاون والانضمام مستقبلًا متاحة للدول الراغبة، وفقًا للنظام الأساسي للمنظمة وسياساتها.
ومن هنا، تبرز أهمية أن تواصل مصر والدول العربية تعزيز حضورها في المحافل الدولية المعنية بالذكاء الاصطناعي، والمشاركة الفاعلة في صياغة قواعد الحوكمة العالمية، لأن المستقبل لن يكون لمن يمتلك التكنولوجيا فقط، بل لمن يشارك في وضع القواعد التي تنظم استخدامها.
إن تأسيس المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد حدث دولي عابر، بل يؤشر إلى بداية مرحلة جديدة من إعادة تشكيل النظام الرقمي العالمي، حيث أصبحت المنافسة لا تدور حول تطوير التقنيات فحسب، وإنما حول قيادة التشريعات، وصناعة المعايير، ورسم مستقبل الذكاء الاصطناعي على المستوى الدولي. والدول التي تسهم اليوم في بناء هذه المنظومة ستكون الأقدر على التأثير في الاقتصاد العالمي والتحول الرقمي لعقود قادمة.





