بقلم/ وليد خضر
متخصص في الشؤون السياسية والعسكرية،
وباحث في هجمات الإعلام السيبراني والجرثومة الإعلامية.
لم تعد الحروب المعاصرة تُدار بالبوارج العسكرية والتحالفات التقليدية وحدها، بل باتت ساحتها الحقيقية هي خطوط الإمداد، وسلاسل القيمة، والمناطق الاقتصادية الكبرى. وبينما تشتعل صراعات التجارة الدولية على رقعة شطرنج عالمية بالغِة التعقيد، تبرز الدولة المصرية كلاعب استراتيجي لا غنى عنه؛ لا سيما بعد أن وضعت التقارير الاقتصادية الغربية — وفي مقدمتها صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية — الأراضي المصرية في بؤرة صراع محتدم بين القطب الصيني والعملاق الأوروبي، وصل صداه إلى ردهات القضاء ومحكمة العدل الأوروبية.
القصة لم تبدأ من فراغ، بل انطلقت من قراءة استباقية دقيقة للمشهد الجيوسياسي. عندما أدركت العواصم الكبرى هشاشة الممرات الملاحية التقليدية ومخاطر إغلاق مضايق حيوية كمضيق هرمز وباب المندب، تحولت الأنظار فوراً نحو الممر الأبدي للتجارة العالمية: قناة السويس ومنطقتها الاقتصادية. هنا، لم تكتفِ القاهرة بتقديم موقع جغرافي فريد، بل وفرت بيئة تشغيلية متكاملة وبنية تحتية عملاقة مكنت المصانع الصينية من العمل بكفاءة تماثل نظيراتها في بكين، متجاوزة تكاليف الشحن الطويلة ومخاطر البحر الأحمر، وموجهة ضربة موجعة لهوامش الربح الأوروبية التي عانت من ارتفاع نفقات الإنتاج محلياً.
لكن المفارقة الأعمق تكمن في أن التحالف مع مصر لم يكن حكراً على بكين؛ بل سبقت إليها قلعة الصناعة الأوروبية ذاتها. فعندما واجهت كبرى الشركات الألمانية — كتلك المهيمنة على قطاع صناعة الأسمنت ومواد البناء في حلوان منذ عام 2016 — ضغوط تضخم التكاليف في القارة العجوز، وجدت في السوق المصري ضالتها المنشودة. لم يكن الأمر مجرد هروب من ضريبة الإنتاج العالي، بل استثماراً مدروساً في سوق محلي واعد يتغذى على مشاريع التنمية العمرانية العملاقة، فضلاً عن الوفرة الهائلة في المواد الخام كالجبس والحجر الجيري والكلنكر، وتوفر عمالة كفؤة وقادرة على الإنجاز بأقل نفقات تشغيل ممكنة.
أمام هذه المعطيات، نجحت الدولة المصرية في حصد مكاسب استراتيجية ضخمة؛ إذ تدفقت الاستثمارات الأجنبية المباشرة بغزارة، وتنوعت التحالفات الدولية لتجعل من القاهرة رمانة ميزان إقليمية تتسابق القوى العظمى للتقارب معها. ومع ذلك، فإن القراءة الموضوعية للمشهد تفرض طرح التساؤل الجوهري: هل نقف اليوم عند المحطة النهائية، أم أننا أمام مجرد بداية لمرحلة تتطلب قفزة نوعية؟
إن التحدي الأكبر الذي يواجه الاقتصاد المصري لا يكمن في جذب الاستثمارات الأجنبية فحسب، بل في كيفية استثمار هذه الشراكات للعبور من مرحلة “توفير البنية التحتية والعمالة والمواد الخام” إلى مرحلة “امتلاك التكنولوجيا، والتصنيع المحلي المتكامل، والتصدير بالعلامة الوطنية الخالصة”. فالتاريخ الاقتصادي يعلمنا أن الأمم التي تكتفي بدور الممر الآمن تظل رهينة لمتغيرات الآخرين، بينما الأمم التي تمتلك أدوات الإنتاج والابتكار هي وحدها التي تصنع قواعد اللعبة.
تمتلك مصر اليوم كل مقومات التفوق: الموقع، والمواد الخام، والطاقات الشبابية، والقرار السياسي الداعم للتنمية. وإذا كانت شواطئنا ومناطقنا الاقتصادية قد نجحت في امتصاص صدمات الاقتصاد العالمي وتحويل الأزمات إلى فرص، فإن بوصلة المستقبل يجب أن تتجه نحو بناء قاعدة صناعية وطنية مستقلة؛ لتتحول مصر من مجرد ملاذ آمن لصناعات الكبار إلى قاطرة تصنيع كبرى تقود أسواق الإقليم والعالم.