مثلث مكة يعيد رسم خريطة الأمن الإقليمي.. أين تقف مصر؟

بقلم: العميد دكتور محمد حجاب

خبير الدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية

 

في مكة المكرمة، انتقل التعاون بين السعودية وتركيا وباكستان إلى مستوى جديد بتوقيع اتفاق للدفاع المشترك، في خطوة تتجاوز في دلالاتها حدود التعاون العسكري التقليدي، وتفتح الباب أمام إعادة قراءة خريطة التحالفات والتوازنات الأمنية في الشرق الأوسط.

 

فالبيئة الإقليمية لم تعد كما كانت قبل سنوات. تعدد مصادر التهديد، وتصاعد الصراعات، وتراجع اليقين بشأن قدرة الترتيبات الأمنية التقليدية على توفير مظلة حماية مستقرة، كلها عوامل دفعت القوى الإقليمية إلى البحث عن صيغ جديدة لبناء الردع وتنويع الشراكات.

 

ويكتسب الاتفاق أهميته من مبدأ أساسي يقوم على اعتبار الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا، بما يعزز مفهوم الدفاع الجماعي ويرفع منسوب الردع المشترك. كما يفتح الاتفاق المجال أمام تطوير التعاون العسكري والأمني والتدريب وتبادل الخبرات والتكنولوجيا الدفاعية.

 

لكن المفارقة الأهم في هذا التطور ليست فقط في الدول الثلاث التي وقعت الاتفاق، وإنما في الدولة التي بقيت خارجه: مصر.

 

وهنا يبرز السؤال الأكثر أهمية: هل نحن أمام تحالف ثلاثي جديد يعيد تشكيل معادلة الأمن الإقليمي، أم أمام خطوة أولى في منظومة أوسع ستتوزع فيها الأدوار بين تحالفات دفاعية وأطر تشاورية، ويكون لمصر فيها موقع مختلف؟

 

من الشراكة السعودية–الباكستانية إلى مثلث مكة

 

لا يمكن فهم الاتفاق الجديد بمعزل عن المسار الذي سبقه.

 

ففي سبتمبر 2025 وقعت السعودية وباكستان اتفاقًا للدفاع الاستراتيجي المشترك، نص على أن أي عدوان على إحدى الدولتين يُعد عدوانًا عليهما معًا، بهدف تعزيز التعاون الدفاعي والردع المشترك.

 

ومع دخول تركيا إلى هذا المسار، انتقل التعاون من علاقة دفاعية ثنائية إلى صيغة ثلاثية تجمع دولًا تمتلك عناصر قوة مختلفة ومتكاملة نسبيًا.

 

فالسعودية تمتلك الثقل الاقتصادي والطاقة والموقع الجغرافي الاستراتيجي، إلى جانب مكانتها السياسية في العالم العربي والإسلامي.

 

أما تركيا، فتضيف إلى المعادلة قوة عسكرية كبيرة، وخبرة عملياتية، وقاعدة صناعية دفاعية متقدمة، فضلًا عن موقعها الجغرافي الذي يربط الشرق الأوسط بالبحر الأسود وشرق المتوسط.

 

وتدخل باكستان إلى المعادلة بثقل عسكري واستراتيجي كبير، وبخبرة طويلة في التعاون الدفاعي مع دول الخليج، فضلًا عن امتلاكها قدرات استراتيجية متقدمة.

 

وبذلك يجمع الاتفاق بين الاقتصاد والطاقة والجغرافيا من جهة، والقوة العسكرية والصناعة الدفاعية والقدرات الاستراتيجية من جهة أخرى.

 

وهذه التركيبة هي التي تمنح الاتفاق أهميته الجيوسياسية.

 

مصر.. الغائب الحاضر

 

لكن عند النظر إلى المشهد من زاوية أوسع، تظهر مصر باعتبارها الحلقة التي لا يمكن تجاهلها.

 

فالقاهرة ليست بعيدة عن هذا المسار، بل كانت جزءًا من إطار تشاوري يجمع الدول الأربع.

 

وفي 21 يونيو 2026 استضافت القاهرة الاجتماع الرابع لوزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان، ضمن إطار R4، بدعوة مصرية، وأكد الاجتماع أهمية استمرار التشاور والتنسيق بين الدول الأربع دعمًا للسلام والأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والمنطقة الأوسع.

 

ومن هنا تبدو المفارقة:

 

الدول الأربع تجتمع في إطار تشاوري واحد، لكن الالتزام الدفاعي الجماعي الذي ظهر في مكة جاء بصيغة ثلاثية.

 

وهذا لا يكفي وحده للقول إن مصر استُبعدت، أو أنها رفضت الانضمام، إذ لا توجد حتى الآن معطيات رسمية معلنة تثبت أيًا من هذين الاستنتاجين.

 

لكن المؤكد أن القاهرة اختارت، حتى هذه اللحظة، أن يكون حضورها في هذا الإطار من خلال التنسيق السياسي والاستراتيجي، وليس الالتزام الدفاعي الجماعي.

 

وهنا تبدأ القراءة الحقيقية للدور المصري.

 

لماذا قد تفضل القاهرة موقعًا مختلفًا؟

 

الأمن القومي المصري لا يتحرك داخل دائرة الخليج وحدها.

 

فالقاهرة تنظر إلى منظومة أمنية أكثر اتساعًا تشمل البحر الأحمر، وقناة السويس، وشرق المتوسط، وليبيا، والسودان، وغزة، والأمن العربي، إلى جانب علاقاتها الاستراتيجية مع القوى الدولية والإقليمية.

 

وبالتالي، فإن الانضمام إلى تحالف دفاعي جماعي قد يفرض على مصر التزامات عسكرية مرتبطة بأزمات لا تتطابق بالضرورة مع أولويات أمنها القومي المباشرة.

 

ومن هذه الزاوية يمكن فهم التفضيل المصري المحتمل للحفاظ على المرونة الاستراتيجية.

 

فالمرونة لا تعني الحياد، كما أنها لا تعني الابتعاد عن الشركاء.

 

بل تعني امتلاك القدرة على التعاون مع السعودية وتركيا وباكستان، دون أن تتحول مصر بالضرورة إلى طرف في كل التزاماتهم الدفاعية.

 

وهذه الاستراتيجية تمنح القاهرة مساحة أكبر للمناورة، خصوصًا في منطقة تتغير فيها التحالفات بسرعة.

 

مصر ليست خارج معادلة القوة

 

قد يؤدي التركيز على عدم توقيع مصر للاتفاق إلى استنتاج خاطئ بأن الدور المصري يتراجع.

 

والواقع أن عناصر القوة المصرية تجعل هذا الاستنتاج غير دقيق.

 

فمصر تمتلك موقعًا جغرافيًا فريدًا يربط البحر الأحمر بالمتوسط، وتشرف على قناة السويس، وتملك قوة عسكرية كبيرة وخبرة عملياتية واسعة، فضلًا عن ثقل سياسي عربي وإفريقي.

 

كما أن القاهرة حاضرة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في عدد من الملفات التي ترتبط بالأمن الإقليمي، من السودان وليبيا إلى غزة والبحر الأحمر.

 

ولذلك فإن مصر قد تكون خارج الاتفاق، لكنها ليست خارج معادلة الأمن الإقليمي.

 

وهذه نقطة جوهرية ينبغي وضعها في قلب قراءة اتفاق مكة.

 

لماذا تركيا داخل الاتفاق ومصر خارجه؟

 

هذا السؤال لا يتعلق فقط بتوازنات الدول الأربع، وإنما يعكس اختلافًا في أنماط إدارة القوة.

 

تركيا تبنت خلال السنوات الأخيرة سياسة أكثر نشاطًا في توظيف قدراتها العسكرية والصناعية خارج حدودها، مع تطوير شبكة من الشراكات الدفاعية في مناطق مختلفة.

 

أما مصر فتميل إلى إدارة قوتها من خلال مزيج من الردع الوطني، والشراكات الثنائية، والتنسيق السياسي، والحفاظ على هامش واسع من الاستقلالية في القرار.

 

ومن ثم، فإن اختلاف موقع القاهرة عن أنقرة داخل الترتيب الجديد لا يعني بالضرورة اختلافًا في المصالح، وإنما قد يعكس اختلافًا في طريقة بناء النفوذ وإدارة المخاطر.

 

والأهم أن الإطار الرباعي نفسه ما زال قائمًا، وقد أكدت الدول الأربع في اجتماع القاهرة استمرار التشاور والتنسيق.

 

هل نحن أمام «ناتو إسلامي»؟

 

سرعان ما بدأ وصف الاتفاق بأنه نواة لـ«ناتو إسلامي» يتردد في بعض التغطيات والتحليلات.

 

لكن هذا الوصف يحتاج إلى قدر من التحفظ.

 

فالاتفاق يحمل بالفعل عنصرًا جوهريًا من عناصر الدفاع الجماعي، وهو اعتبار الاعتداء على طرف اعتداءً على الأطراف الأخرى. لكن ذلك لا يعني أن الدول الثلاث أنشأت، بالمعنى المؤسسي، حلفًا مماثلًا لحلف شمال الأطلسي.

 

فالحلف الأطلسي يمتلك قيادة عسكرية موحدة، وهياكل مؤسسية راسخة، وآليات متقدمة للتخطيط والانتشار واتخاذ القرار.

 

أما الاتفاق الجديد، فلا تزال بنيته المؤسسية وآليات تنفيذه بحاجة إلى التطور والاختبار.

 

لذلك فإن الوصف الأدق هو:

 

نواة محتملة لترتيب أمني إقليمي متعدد المراكز، وليس «ناتو إسلاميًا» مكتمل الأركان.

 

وهذا التوصيف أكثر دقة من الناحية الاستراتيجية، لأنه يضع الاتفاق في سياقه الحقيقي بدل تحميله منذ البداية ما لم يعلنه أطرافه.

 

السعودية.. تنويع مصادر الردع

 

بالنسبة إلى السعودية، يعكس الاتفاق اتجاهًا واضحًا نحو تنويع مصادر القوة والردع.

 

فالرياض لا تبدو أمام خيار استبدال شريك دولي بآخر، بقدر ما تسعى إلى بناء شبكة واسعة من الشراكات الأمنية والعسكرية.

 

وهذا مفهوم يتناسب مع البيئة الدولية الجديدة، حيث لم تعد القوى الإقليمية تريد الاعتماد الكامل على طرف واحد مهما بلغت قوته.

 

وبالتالي يمكن أن تتشكل معادلة أمنية سعودية متعددة المستويات:

 

قدرات وطنية + شراكات خليجية + شراكة أمريكية + تعاون إقليمي + ترتيبات دفاعية جديدة.

 

وهذه السياسة تمنح الرياض قدرة أكبر على المناورة في مواجهة المخاطر الإقليمية.

 

باكستان.. توسيع المجال الاستراتيجي

 

أما باكستان، فيمنحها الاتفاق فرصة لتوسيع حضورها خارج جنوب آسيا، وترسيخ علاقاتها الدفاعية مع الخليج والشرق الأوسط.

 

فالعلاقة السعودية–الباكستانية ليست وليدة الاتفاق الجديد، وإنما تمتد لعقود، وجاء اتفاق الدفاع الاستراتيجي الذي وقع في سبتمبر 2025 ليؤسس لمرحلة أكثر وضوحًا في التعاون الدفاعي بين البلدين.

 

ويضيف دخول تركيا بعدًا جديدًا لهذه الشراكة، خصوصًا في مجالات التدريب والصناعة الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية.

 

لكن من الضروري التمييز بين وجود باكستان كدولة نووية وبين القول بوجود مظلة نووية للدول الأخرى.

 

فامتلاك باكستان قدرات نووية لا يعني تلقائيًا أن الاتفاق الثلاثي يتضمن التزامًا باستخدام هذه القدرات دفاعًا عن السعودية أو تركيا، ما لم ينص الاتفاق أو بياناته الرسمية على ذلك.

 

وهذا فارق يجب الحفاظ عليه في أي تحليل مسؤول.

 

تركيا.. من الشراكة إلى المشاركة في هندسة الأمن

 

بالنسبة إلى تركيا، يوفر الاتفاق فرصة لتعزيز موقعها في منظومة أمن الخليج والشرق الأوسط.

 

فالقدرات التركية في مجال الصناعات الدفاعية، والطائرات غير المأهولة، والأنظمة الصاروخية، والإلكترونيات العسكرية، تمنح أنقرة أدوات نفوذ تتجاوز العلاقات السياسية التقليدية.

 

وبالتالي، فإن الاتفاق لا يمثل مجرد تعاون عسكري، بل يمكن أن يتحول إلى منصة لتطوير سلاسل تعاون دفاعي وصناعي بين الدول الثلاث.

 

وهنا قد تصبح تركيا أحد أهم المستفيدين من التحول من العلاقات الثنائية إلى الترتيبات متعددة الأطراف.

 

إيران.. الرسالة الأكثر حساسية

 

رغم تأكيد الطابع الدفاعي للاتفاق وعدم توجيهه رسميًا ضد دولة بعينها، فإن إيران ستضع التطور بالتأكيد ضمن حساباتها الاستراتيجية.

 

فالبيئة الإقليمية تشهد بالفعل توترات حادة، وأي ترتيبات دفاعية جديدة في محيط الخليج والبحر الأحمر ستؤثر في حسابات الردع لجميع الأطراف.

 

لكن الفرق كبير بين الردع والمواجهة.

 

فالتحالف الدفاعي يمكن أن يرفع تكلفة أي هجوم محتمل، وبالتالي يسهم في تقليل احتمالات الحرب.

 

لكن إذا فُسر باعتباره نواة لمحور موجه ضد طرف محدد، فقد يؤدي إلى العكس، أي إلى دفع الأطراف الأخرى نحو بناء تحالفات مضادة.

 

ومن هنا ستكون إدارة الرسائل السياسية المصاحبة للاتفاق بنفس أهمية الاتفاق العسكري نفسه.

 

إسرائيل.. متغير جديد في الحسابات

 

إسرائيل بدورها لن تنظر إلى الاتفاق بمعزل عن التحولات الجارية في البيئة الإقليمية.

فوجود السعودية وتركيا وباكستان ضمن إطار دفاعي مشترك يضيف متغيرًا جديدًا إلى الحسابات الأمنية الإسرائيلية، حتى إذا لم يكن الاتفاق موجهًا إليها.

 

لكن من الخطأ اختزال الاتفاق في فكرة إنشاء جبهة ضد إسرائيل.

فلكل دولة من الدول الثلاث حساباتها ومصالحها الخاصة، وقد تتفق في بعض الملفات وتختلف في ملفات أخرى.

والأدق أن الاتفاق يوسع دائرة الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية ويجعل البيئة الأمنية المحيطة أكثر تعقيدًا.

الولايات المتحدة.. استبدال أم تنويع؟

كذلك سيكون من الخطأ النظر إلى اتفاق مكة باعتباره إعلانًا عن انتهاء الدور الأمريكي.

الأقرب إلى الواقع أن القوى الإقليمية تتجه إلى تنويع الشراكات وليس استبدال الحلفاء.

فالسعودية وتركيا وباكستان لديها، بدرجات مختلفة، علاقات مع الولايات المتحدة، ولا يعني التعاون الثلاثي الجديد بالضرورة الانفصال عن واشنطن.

لكن الرسالة الأعمق تتمثل في أن الدول الإقليمية تريد امتلاك خيارات أكثر في عالم يتجه نحو تعدد مراكز القوة.

وهذا ما يجعل الاتفاق جزءًا من ظاهرة أوسع يمكن تسميتها التحوط الاستراتيجي الإقليمي.

البحر الأحمر.. نقطة التقاء المصالح

إذا كان هناك مسرح جغرافي يمكن أن يكشف أهمية الترتيب الجديد، فهو البحر الأحمر.

السعودية تطل مباشرة على البحر الأحمر.

ومصر تمثل الدولة المحورية في أمن قناة السويس والملاحة المرتبطة بها.

وباكستان تطل على بحر العرب، بينما تمتلك تركيا قدرات بحرية وصناعية متقدمة.

وهنا تظهر حقيقة جيوسياسية أساسية:

أي منظومة أمنية تريد أن تؤثر في أمن البحر الأحمر لا يمكنها تجاهل مصر.

ولهذا فإن غياب القاهرة عن الاتفاق الثلاثي لا يعني أن مصالحها ستظل خارجه.

بل على العكس، قد يصبح التعاون أو التنسيق مع مصر ضرورة عملية إذا تطورت المنظومة الجديدة إلى ترتيبات تتعلق بالأمن البحري وحماية الملاحة ومواجهة التهديدات غير التقليدية.

هل خسرت مصر فرصة أم احتفظت بورقة قوة؟

هذا السؤال يحتاج إلى إجابة متأنية.

إذا تحول الاتفاق الثلاثي إلى تحالف دفاعي مؤسسي محدود، فقد ترى القاهرة أن الحفاظ على موقعها خارج الالتزامات الجماعية يمنحها هامشًا أكبر للحركة.

أما إذا تحول الاتفاق إلى منظومة أمنية واسعة تشمل قيادة مشتركة ودفاعًا جويًا وصاروخيًا وتبادلًا استخباراتيًا وتعاونًا صناعيًا عميقًا، فإن القاهرة ستواجه واقعًا جديدًا يستدعي إعادة تقييم موقعها.

وفي هذه الحالة، لن يكون السؤال: لماذا لم تنضم مصر؟

بل:

هل تحتاج مصر إلى الانضمام، أم أن قدرتها على البقاء قوة توازن مستقلة أكثر فائدة لمصالحها؟

 

والإجابة ستتوقف على طبيعة التطور الذي سيأخذه الاتفاق خلال السنوات المقبلة.

 

من مكة إلى القاهرة.. شبكة أمن لا محور واحد

 

ربما يكون السيناريو الأكثر واقعية هو ألا تتجه المنطقة نحو إنشاء تحالف واحد مغلق، وإنما نحو شبكة من الترتيبات المتداخلة.

إطار R4 يوفر منصة للتشاور السياسي والاستراتيجي بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان.

والاتفاق الثلاثي يوفر مستوى أعلى من التعاون الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان.

وفي الوقت نفسه، يمكن لمصر أن تطور شراكاتها الثنائية مع الدول الثلاث، وأن تستخدم موقعها الجغرافي والسياسي لتظل طرفًا فاعلًا في صياغة التوازنات الإقليمية.

وهكذا قد تظهر في الشرق الأوسط صيغة جديدة لا تقوم على محور واحد، وإنما على دوائر متقاطعة من الشراكة والتنسيق والردع.

وهذه الصيغة قد تكون أكثر تعبيرًا عن طبيعة النظام الإقليمي المتغير.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد التوقيع

في النهاية، لن تحدد مراسم التوقيع وحدها قيمة اتفاق مكة.

الاختبار الحقيقي سيكون في التنفيذ.

هل ستنشأ آليات قيادة وتنسيق مشتركة؟

هل ستتوسع التدريبات العسكرية؟

هل سيزداد تبادل المعلومات الاستخباراتية؟

هل يتطور التعاون إلى مشروعات تصنيع دفاعي مشترك؟

هل تظهر ترتيبات مشتركة للدفاع الجوي والصاروخي؟

وكيف ستتعامل الدول الثلاث مع أي أزمة مستقبلية تختلف فيها تقديراتها السياسية؟

هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان الاتفاق يمثل تحولًا حقيقيًا في بنية الأمن الإقليمي أم مجرد خطوة سياسية وعسكرية مهمة لكنها محدودة الأثر.

الخلاصة.. مصر ليست خارج المعادلة

يمثل اتفاق مكة الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان تطورًا مهمًا في مسار إعادة تشكيل التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط.

السعودية تبحث عن تنويع مصادر الردع.

تركيا توسع حضورها العسكري والاستراتيجي.

باكستان تعزز امتدادها الإقليمي.

لكن مصر، رغم عدم توقيعها الاتفاق الثلاثي، ليست خارج المشهد.

فوجودها في إطار R4، واستضافتها الاجتماع الرابع لوزراء خارجية الدول الأربع في يونيو 2026، يؤكد أن القاهرة جزء من مسار التشاور الإقليمي، وإن اختلفت صيغة مشاركتها عن صيغة الشراكة الدفاعية التي ظهرت في مكة.

ومن ثم، فإن عدم انضمام مصر إلى الاتفاق لا ينبغي أن يقرأ باعتباره تراجعًا للدور المصري، كما لا ينبغي تفسيره باعتباره استبعادًا متعمدًا من جانب الأطراف الأخرى، في ظل غياب إعلان رسمي يثبت ذلك.

الأدق أن مصر تحافظ حتى الآن على موقع مختلف داخل المعادلة: موقع الدولة التي تمتلك قوة عسكرية وموقعًا جغرافيًا وثقلًا سياسيًا يسمح لها بأن تكون شريكًا في صناعة الأمن، دون أن تكون بالضرورة طرفًا في كل تحالف دفاعي ينشأ في الإقليم.

وهنا تكمن أهمية القاهرة.

فإذا بقي اتفاق مكة إطارًا ثلاثيًا محدودًا، ستحتفظ مصر بمساحة واسعة للمناورة والتوازن.

وإذا تحول إلى منظومة أمنية إقليمية أوسع، فستكون مصر من أهم الدول القادرة على التأثير في شكلها النهائي.

لذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يفرضه اتفاق مكة ليس ما إذا كان قد وُلد «ناتو إسلامي»، وإنما:

هل بدأت من مكة إعادة هندسة فعلية لأمن الشرق الأوسط، تتوزع فيها الأدوار بين تحالفات دفاعية وأطر تشاورية، أم أننا أمام ترتيب جديد سيظل محدودًا بحدود الدول الثلاث؟

وفي كلتا الحالتين، ستظل مصر لاعبًا لا يمكن تجاوزه.

فقد تكون مصر خارج اتفاق مكة، لكنها بالتأكيد ليست خارج معادلة الأمن الإقليمي.

  • Related Posts

    أثر تهديدات السوشيال ميديا على المجتمع

    المستشاره القانونية/ مني مصطفي لطفي  أصبحت منصات التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، فهي وسيلة للتواصل وتبادل المعرفة والأخبار، كما أنها أداة فعالة في التعليم والتسويق والتوعية. إلا…

    قرار يعزز الثقة في بيئة الاستثمار ويرسخ استقلال الشخصية الاعتبارية للشركات

    بقلم: المستشار خالد السيد رئيس مجلس إدارة شركة رؤية للمحاماة والاستشارات القانونية والتحكيم والتدريب في الاقتصادات الحديثة، لا تُقاس جاذبية بيئة الاستثمار بحجم الحوافز المالية فقط، وإنما بقدرة المنظومة القانونية…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *