بقلم دكتوره / حنان نجيب
أثبتت أزمة مضيق هرمز أن أمن الطاقة العالمي لا يرتبط فقط بوجود النفط والغاز، وإنما بالقدرة على إيصال الطاقة إلى المستهلك في الوقت المناسب، حتى عندما يتعطل أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فأي اضطراب طويل في حركة الملاحة عبر المضيق لا يهدد الدول المنتجة والمستهلكة فقط، بل يضغط على أسعار الطاقة وتكاليف النقل والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية.
لكن السؤال الأكثر أهمية ليس فقط: كيف نعيد فتح هرمز؟ وإنما: هل يمكن تصميم نظام يجعل الاقتصاد العالمي أقل اعتمادًا على فتحه أصلًا؟
هنا تظهر فكرة مختلفة تقوم على تغيير طريقة التعامل مع الأزمة. فالسفينة التي تحمل شحنة طاقة عالقة داخل الخليج لا تستطيع ببساطة البحث عن طريق بحري آخر، لأن هرمز يمثل البوابة البحرية الرئيسية للخليج. كما أن بناء مسارات بديلة يحتاج إلى وقت واستثمارات ضخمة، وقد يؤدي تحويل التدفقات إلى نقل نقطة الاختناق من مكان إلى آخر.
الحل المقترح هو إنشاء «مقاصة طوارئ الطاقة»، وهي آلية تسمح للدولة أو الشركة التي تعذر وصول شحنتها الأصلية بالحصول على كمية مكافئة من الطاقة من مصدر آخر خارج منطقة الخطر، مع الاحتفاظ بالحقوق المالية والتعاقدية للشحنة الأصلية لتتم تسويتها لاحقًا.
وبذلك لا يصبح المطلوب تحريك السفينة نفسها، وإنما ضمان وصول الطاقة إلى مستحقها. فإذا كانت دولة آسيوية تنتظر شحنة نفط من الخليج وتعذر وصولها، يمكن للمقاصة أن تربطها بشحنة بديلة من مصدر آخر، بينما تتم تسوية الفروق المالية والتعاقدية لاحقًا بين الأطراف.
ولكي تكون الآلية قابلة للتطبيق في حالات الطوارئ، يمكن إنشاء «صندوق ضمان طوارئ الطاقة» لامتصاص جزء محدد من التكلفة الإضافية الناتجة عن الحصول على البديل. فإذا كانت تكلفة الشحنة الأصلية 80 دولارًا للبرميل، وبلغت تكلفة البديل 95 دولارًا، يمكن للصندوق، وفق قواعد وسقف مالي محدد، ضمان جزء من الفارق. والهدف ليس دعم الأسعار، وإنما منع الأزمة الجغرافية من التحول إلى أزمة مالية عالمية.
وفي هذه المعادلة يمكن لمصر أن تلعب دورًا أكبر بكثير من مجرد دولة يمر عبرها جزء من التجارة العالمية. فموقعها بين البحرين الأحمر والمتوسط، وامتلاكها قناة السويس وشبكة الموانئ والبنية اللوجستية ومناطق التخزين والطاقة، يمنحها فرصة لتأسيس «المركز المصري الدولي لمقاصة وتأمين الطاقة وقت الأزمات».
يمكن أن يعمل المركز كمنصة دولية تربط المنتجين والمستهلكين وشركات الطاقة والتجارة والبنوك وشركات التأمين والموانئ، لتسجيل الشحنات المتعطلة، وتحديد الاحتياجات، ورصد مصادر الطاقة البديلة، ومطابقة العرض بالطلب، وحساب فروق النقل والتأمين، وتفعيل الضمانات، ثم تسوية الحقوق بين الأطراف.
والميزة الأهم أن مصر لا تحتاج إلى انتظار سنوات لبناء بنية تحتية جديدة. فالمرحلة الأولى يمكن أن تكون رقمية وتشغيلية، تعتمد على البنية القائمة، من خلال «سجل مصري للطاقة الطارئة» يسجل الكميات المتاحة ومصادرها وموانئ التحميل والتفريغ وحالة الشحنات والالتزامات التعاقدية.
وفي أول 72 ساعة من أي أزمة، يمكن للمركز حصر الشحنات المتعطلة، وتحديد الاحتياجات الأكثر إلحاحًا، ورصد البدائل المتاحة عالميًا، ثم مطابقة كل احتياج مع مصدر بديل، وحساب التكلفة الإضافية، وتفعيل الضمان والتسوية. وبهذا تتحول الاستجابة من رد فعل سياسي أو تجاري إلى عملية منظمة يمكن قياس سرعتها وكفاءتها.
والأهم أن المقترح لا يقتصر على منصة للمقاصة، وإنما يقدم منظومة مصرية متكاملة لأمن الطاقة تبدأ من قناة السويس، وتمتد إلى الموانئ ومناطق التخزين وإعادة التصدير، ثم إلى مقاصة طوارئ الطاقة، وآليات الضمان والتأمين، وصولًا مستقبلًا إلى «حقوق الطاقة الطارئة». وهكذا لا يصبح الدور المصري مجرد عبور للسفن، بل إدارة سلسلة متكاملة تضمن استمرار تدفقات الطاقة: القناة للحركة، والموانئ للتشغيل، والتخزين للمرونة، والمقاصة للتسوية، والتأمين لإدارة المخاطر.
ومع الوقت يمكن تطوير المنظومة إلى سوق لـ«حقوق الطاقة الطارئة»، تتيح للدول والشركات مسبقًا شراء حق مضمون للحصول على كمية محددة من الطاقة من مصادر بديلة عند حدوث أزمة في أحد الممرات الرئيسية.
ولضمان نجاح الفكرة، يجب وضع ضوابط تمنع المضاربة والاستغلال، من خلال إثبات تعطل الشحنة الأصلية، والتحقق من وصول البديل، ووضع حدود للضمانات، ومراجعة مستقلة للأسعار، وشفافية كاملة في عمليات التسجيل والتسوية.
الفكرة في جوهرها لا تنافس قناة السويس، بل تمنحها وظيفة جديدة داخل منظومة أوسع لأمن الطاقة. ففي عالم تتزايد فيه الحروب والاضطرابات الجيوسياسية، قد لا تكون القوة الحقيقية في امتلاك أكبر كمية من الطاقة، وإنما في امتلاك القدرة على ضمان وصولها عندما تتعطل الطرق التقليدية.
وهنا يمكن أن تبدأ مصر دورًا جديدًا: ليس فقط ممرًا للتجارة العالمية، وإنما مركزًا عالميًا لتأمين الطاقة وقت الأزمات.





