من تعز إلى المخا.. لماذا انهارت خطوط الدفاع بهذه السرعة؟

بقلم لواء دكتور / محمد حجاب 

قراءة عسكرية في التحولات الميدانية على الساحل الغربي لليمن

لم تعد التطورات العسكرية المتسارعة التي شهدتها الجبهات الغربية لليمن خلال الأيام الأخيرة مجرد تحرك ميداني محدود على جبهة من جبهات الحرب اليمنية، وإنما بدأت تكشف عن تحول أكثر عمقًا في طبيعة الصراع، خصوصًا مع انتقال العمليات من نطاق المناوشات والضغط الموضعي إلى محاولة إعادة تشكيل خريطة السيطرة على محور يمتد من غرب تعز باتجاه الساحل الغربي، وصولًا إلى المخا وذباب والمناطق القريبة من باب المندب.

 

ومن هنا نستطيع أن نقول إن السؤال الأهم لا يتمثل فقط في المواقع التي سيطرت عليها قوات أنصار الله أو تلك التي انسحبت منها القوات المناهضة لها، وإنما في الكيفية التي تمكنت بها قوات أنصار الله من تحقيق هذا التقدم خلال فترة زمنية قصيرة، رغم أن مناطق العمليات كانت قد شهدت على مدى سنوات بناء مواقع دفاعية وتحصينات عسكرية وإعدادًا متواصلًا للقوات.

 

فالمسألة، في تقديري، لا يمكن تفسيرها بمجرد التفوق في عدد الأسلحة أو المعدات، وإنما ينبغي النظر إليها باعتبارها اختبارًا لمنظومة كاملة تشمل القيادة والسيطرة، والانتشار، والاستخبارات، وخطوط الإمداد، والقدرة على المناورة، وتماسك القوات، وطبيعة العلاقة بين التشكيلات العسكرية المختلفة.

 

المعركة الحقيقية ليست على المدن فقط

 

تُظهر الخريطة الميدانية للمحاور الممتدة بين تعز والحديدة أن أهمية المعركة لا ترتبط بالسيطرة على مدينة بعينها، وإنما بالتحكم في شبكة الطرق والممرات التي تربط المرتفعات بالساحل.

 

فمحاور الكدحة والبرح والوازعية والمخا تشكل في مجموعها حزامًا جغرافيًا شديد الأهمية، لأن السيطرة عليها تمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على الحركة بين تعز والساحل الغربي، وتؤثر في خطوط الإمداد والاتصال بين القوات المنتشرة في هذه المناطق.

 

وهنا تظهر أهمية الجغرافيا العسكرية في فهم ما يجري.

 

فالموقع المرتفع الذي يشرف على طريق رئيسي قد تكون قيمته العسكرية أكبر من مساحة مدينة بأكملها، كما أن السيطرة على عقدة طرق قد تسمح بعزل وحدات عسكرية عن بعضها البعض دون الحاجة إلى خوض معركة مباشرة طويلة للسيطرة على كل موقع.

 

ولذلك فإنه من المؤكد أن المعركة الحالية هي معركة على الأرض والممرات في الوقت نفسه.

 

كيف انهارت بعض المواقع بهذه السرعة؟

 

من أكثر الأسئلة التي تفرض نفسها أمام التطورات الأخيرة: كيف يمكن لمواقع عسكرية جرى تحصينها وتجهيزها على مدى سنوات أن تفقد قدرتها على الصمود خلال فترة قصيرة؟

 

الإجابة لا تتعلق بالتحصينات وحدها.

 

فالتحصين العسكري يوفر حماية للموقع من النيران والهجوم المباشر، لكنه لا يستطيع وحده منع سقوط الموقع إذا فقد الاتصال بالمواقع المجاورة، أو انقطعت خطوط إمداده، أو أصبح محاصرًا من أكثر من اتجاه.

 

وهنا يظهر الفرق بين قوة الموقع وقوة المنظومة الدفاعية التي ينتمي إليها الموقع.

 

فقد يكون الموقع محصنًا بصورة جيدة، ويمتلك أسلحة ثقيلة وذخائر كافية، لكنه يصبح ضعيفًا إذا تحولت المواقع المحيطة به إلى نقاط منفصلة غير قادرة على دعم بعضها البعض.

 

ومن هنا نستطيع تفسير جانب من سرعة التراجع التي شهدتها بعض المحاور.

 

فالانهيار العسكري لا يبدأ بالضرورة عندما يدخل الخصم إلى المعسكر، وإنما قد يبدأ قبل ذلك بكثير، عندما تفقد الوحدة العسكرية قدرتها على المناورة أو الاتصال أو الحصول على الإمدادات أو تلقي الدعم من القوات المجاورة.

 

سنوات من التجهيز لا تعني بالضرورة قدرة قتالية متماسكة

 

أظهرت الحرب اليمنية خلال السنوات الماضية أن بناء المواقع العسكرية والتحصينات لا يكفي لإنشاء قوة قادرة على خوض حرب طويلة.

 

فالقدرة القتالية الحديثة تقوم على تكامل عناصر متعددة؛ من بينها القيادة والسيطرة، والاستطلاع، والاستطلاع المضاد، والنيران، والمناورة، والإمداد، والاحتياط، والاتصال.

 

وإذا حدث خلل في أحد هذه العناصر، فقد تتراجع قيمة بقية العناصر بصورة كبيرة.

 

ولهذا فإن عبارة «سنوات من التحصين والتجهيز انهارت في ساعات» يمكن فهمها عسكريًا باعتبارها تعبيرًا عن سرعة انهيار بعض المواقع بعد اختلال المنظومة الدفاعية المحيطة بها، وليس باعتبارها حكمًا على جميع القوات والمواقع الموجودة في الجبهة.

 

وهذه نقطة مهمة حتى لا تتحول القراءة العسكرية إلى مجرد رواية إعلامية تقوم على الانتصار والانهيار.

 

الغنائم العسكرية.. عامل مهم ولكن ليس العامل الحاسم

 

من الطبيعي أن يؤدي سقوط مواقع عسكرية إلى استيلاء القوات المتقدمة على ما قد يكون موجودًا فيها من أسلحة وذخائر ومركبات ومعدات عسكرية.

 

وقد يمثل ذلك مكسبًا ميدانيًا مهمًا، خصوصًا إذا كانت المعدات قابلة للاستخدام الفوري.

 

لكن القيمة الاستراتيجية لهذه المعدات تختلف وفق نوعها وكمياتها وحالتها الفنية وقدرة القوات التي استولت عليها على تشغيلها وصيانتها.

 

ولذلك فإن الأهمية الحقيقية لسقوط المواقع لا تكمن فقط في المعدات التي يمكن أن تكون قد تركتها القوات المنسحبة، وإنما في انتقال المواقع نفسها وشبكة الطرق والممرات والمرتفعات إلى سيطرة الطرف الآخر.

 

فالمعسكر الذي يسيطر عليه الخصم يمكن أن يتحول إلى قاعدة متقدمة، والمرتفعات يمكن أن تصبح مواقع مراقبة ونيران، والطريق الذي كان يستخدم للإمداد يمكن أن يتحول إلى وسيلة للضغط على القوات المقابلة.

 

وهكذا فإن المكسب الحقيقي ليس بالضرورة في السلاح الذي يتم الاستيلاء عليه، وإنما في تغيير البيئة العملياتية للمعركة.

 

المخا.. نقطة التحول الأهم

 

تكتسب المخا أهمية خاصة بسبب موقعها على الساحل الغربي وقربها من واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

 

فمن يسيطر على المخا لا يسيطر على مدينة ساحلية فحسب، وإنما يمتلك موقعًا يمكن أن يؤثر في الاتصال بين المناطق الداخلية والساحل، وفي الحركة العسكرية على طول الشريط الساحلي.

 

ومن هنا فإن وصول المعارك إلى المخا لا ينبغي التعامل معه باعتباره تطورًا تكتيكيًا فقط، وإنما باعتباره تطورًا ذا أبعاد استراتيجية.

 

وتزداد أهمية ذلك إذا ما تزامن مع تطورات في ذباب وجزيرة ميون، لأن الاقتراب من باب المندب يرفع من قيمة أي تغير في خريطة السيطرة على الساحل الغربي.

 

وهكذا تنتقل أهمية المعركة من سؤال: من يسيطر على هذه المدينة؟ إلى سؤال أكثر أهمية: من يستطيع التحكم في الممر الذي يربط الداخل اليمني بالساحل وباب المندب؟

 

فتح الطرق.. مكسب عسكري وسياسي

 

أما قضية الطرق، فهي واحدة من أهم نتائج تغير خطوط السيطرة.

 

فالطرق في الحرب اليمنية لم تكن مجرد وسائل للحركة المدنية، وإنما تحولت إلى أهداف عسكرية بسبب ارتباطها بالإمدادات ونقل القوات والأسلحة والوقود.

 

وبالتالي فإن إعادة فتح بعض الطرق نتيجة تغير السيطرة الميدانية يمكن أن تحمل دلالتين في الوقت نفسه.

 

الدلالة الأولى عسكرية، لأنها تسمح للقوات المتقدمة بتعزيز الحركة ونقل الإمدادات بين مناطق سيطرتها.

 

والدلالة الثانية سياسية ومجتمعية، لأنها تمنح الطرف الذي يسيطر على الطريق قدرة على تقديم نفسه باعتباره قادرًا على إعادة الحركة الطبيعية بين المناطق، وهو أمر له تأثير مباشر في السكان المحليين.

 

لكن ينبغي عدم التوسع في القول إن جميع الطرق الرئيسية بين المحافظات قد أعيد فتحها بعد إغلاق استمر عشر سنوات؛ فواقع الطرق في تعز والساحل الغربي أكثر تعقيدًا، وهناك طرق ومحاور متعددة شهدت درجات مختلفة من الإغلاق وإعادة الفتح وفقًا لتغير خطوط التماس.

 

هل نحن أمام انهيار شامل؟

 

هنا يجب التوقف أمام الاستنتاجات المتسرعة.

 

فالتقدم الذي حققته أنصار الله لا يعني بالضرورة أن الحرب حُسمت، كما أن انسحاب بعض القوات من مواقع معينة لا يعني تلقائيًا انهيار جميع القوات المناهضة لأنصار الله.

 

الحرب اليمنية أثبتت خلال السنوات الماضية أن خطوط السيطرة يمكن أن تتغير بسرعة، وأن القوات التي تتراجع من موقع قد تعيد تنظيم نفسها في موقع آخر، كما أن بعض التحركات العسكرية قد تكون جزءًا من إعادة انتشار وليست انهيارًا كاملًا.

 

ولذلك فإن الحكم الأدق في هذه المرحلة هو أننا أمام اختبار كبير لقدرة القوات المناهضة لأنصار الله على إعادة بناء خطوط دفاع جديدة ومنع تحول التقدم الحوثي التكتيكي إلى مكسب استراتيجي مستدام.

 

ما الذي تغير إذن؟

 

في تقديري أن التطور الأهم لا يكمن فقط في عدد المواقع التي تغيرت السيطرة عليها، وإنما في تغير العلاقة بين الجغرافيا العسكرية والقوة النارية.

 

فإذا استطاعت أنصار الله الحفاظ على سلسلة متصلة من المواقع والممرات بين مناطق غرب تعز والساحل، فإن ذلك سيمنحها قدرة أكبر على المناورة ونقل القوات، وسيضع القوات المناهضة لها أمام ضرورة إعادة بناء دفاعاتها على أساس جغرافي جديد.

 

وهذا يعني أن القوات المدافعة لن يكون أمامها خيار الاكتفاء باستعادة موقع أو معسكر، وإنما ستحتاج إلى استعادة ترابط المنظومة الدفاعية بأكملها.

 

ومن هنا نستطيع أن نقول إن المعركة الحقيقية خلال المرحلة المقبلة ستكون حول قدرة كل طرف على تحويل مكاسبه التكتيكية إلى منظومة عملياتية متماسكة.

 

الخلاصة

 

ونستنتج مما سبق أن التطورات الأخيرة في غرب اليمن لا ينبغي اختزالها في عبارة «سقوط معسكرات» أو «الاستيلاء على أسلحة ومعدات».

 

فالمشهد أكثر تعقيدًا من ذلك.

 

هناك تحول في خطوط السيطرة، وضغط على محاور الطرق، وتغير في العلاقة بين تعز والساحل الغربي، وتقدم باتجاه مناطق تكتسب أهمية متزايدة بسبب قربها من باب المندب.

 

كما أن سرعة سقوط بعض المواقع تكشف أن التحصين وحده لا يصنع دفاعًا ناجحًا، وأن امتلاك السلاح لا يعوض غياب القيادة والسيطرة وتماسك القوات واستمرارية الإمداد.

 

وفي تقديري أنه إذا تمكنت أنصار الله من تثبيت مواقعها الجديدة وإعادة تنظيم القوات في المناطق التي تقدمت إليها، فإن ما حدث لن يكون مجرد اختراق تكتيكي عابر، بل قد يمثل إعادة تشكيل لميزان القوة على الساحل الغربي اليمني.

 

أما إذا تمكنت القوات المناهضة لأنصار الله من إعادة بناء خطوطها الدفاعية وقطع الاتصال بين المحاور المتقدمة واستعادة عقد الطرق والمرتفعات، فقد يتحول التقدم الحالي إلى جولة أخرى من جولات الحرب التي عرفها اليمن طوال السنوات الماضية.

 

وهكذا فإن المعركة المقبلة لن تكون فقط على تعز أو المخا، وإنما على الممر الجغرافي الممتد بينهما، وعلى القدرة على التحكم في الساحل الغربي وصولًا إلى باب المندب.

 

وهذا تحديدًا ما يجعل التطورات الأخيرة جديرة بالقراءة باعتبارها تحولًا في هندسة المعركة اليمنية، وليس مجرد تغير مؤقت في خريطة السيطرة.

  • Related Posts

    إذا أُغلق هرمز.. كيف يمكن لمصر أن تتحول إلى مركز عالمي لتأمين الطاقة؟

    بقلم دكتوره / حنان نجيب  أثبتت أزمة مضيق هرمز أن أمن الطاقة العالمي لا يرتبط فقط بوجود النفط والغاز، وإنما بالقدرة على إيصال الطاقة إلى المستهلك في الوقت المناسب، حتى…

    مصر والصين.. شراكة استراتيجية تكتب فصلًا جديدًا من قوة الدولة المصرية

    بقلم: أحمد الشرقاوي في مشهد يليق بمكانة مصر ودورها المحوري، استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية الصين الشعبية شي جين بينغ، في زيارة تاريخية إلى القاهرة، تحمل الكثير من…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *