مني العشماوي.. صحفية أم تحت التدريب؟

بقلم: وليد خضر

متخصص في الشؤون السياسية والعسكرية، وباحث في الإعلام السيبراني، ومدير قطاع الإعلام بالشركة العامة للبترول.

حين تكشف الكتابة عن الفارق بين حمل لقب الصحفي وممارسة المهنة

يا أستاذة مني العشماوي، عندما تكتبين عن مرتبات العاملين في قطاع البترول وتصفينها بأنها مرتفعة، دون أن تضعي أمام القارئ صورة متكاملة لطبيعة العمل ومخاطره ومسؤولياته، فأنتِ لا تقدمين معالجة صحفية مكتملة، بل تطرحين حكمًا يحتاج إلى بحث وتدقيق قبل نشره.

وهنا يبرز سؤال مهني مشروع: هل يكفي أن يحمل الإنسان لقب صحفي حتى يصبح قادرًا على تناول كل الملفات؟ أم أن هناك فارقًا بين من يكتب عن المهنة، ومن يمتلك أدواتها؟

الفرق بين الصحفي والصحفي تحت التدريب ليس في المسمى الوظيفي، بل في طريقة التفكير والعمل.

الصحفي المحترف لا يبدأ من حكم جاهز، ثم يبحث عما يؤيده؛ بل يبدأ من سؤال، ويجمع المعلومات، ويستمع إلى الأطراف المختلفة، ويتحقق من البيانات، ثم يصل إلى استنتاجاته بناءً على الأدلة.

أما الصحفي الذي لا يزال بحاجة إلى تطوير أدواته، فقد يقع في خطأ اختزال قضية معقدة في جملة مثيرة، أو إطلاق حكم عام دون الإحاطة بتفاصيل الموضوع الذي يتناوله.

ولذلك، قبل أن تكتبي عن مرتبات العاملين في قطاع البترول، كان من الأولى أن تسألي: ما طبيعة الأعمال التي يؤديها هؤلاء؟ وما حجم المسؤوليات التي يتحملونها؟ وما المخاطر التي يتعرض لها بعضهم؟ وما الفروق بين العاملين في المواقع البحرية ومواقع الإنتاج والتشغيل والأعمال الإدارية؟

هل زرتِ مواقع العمل؟ هل تحدثتِ مع العاملين على الأوناش، وشاهدتِ ظروف عملهم وما يتعرضون له من زيوت ومخلفات تستلزم التعامل معها بمجهود شاق؟

هل حاولتِ أن تعيشي واقع العاملين في المواقع البحرية، حيث مراقبة ماكينات الضخ، والعمل في ظروف جوية متغيرة، وقضاء فترات بعيدًا عن الأسرة، مع ما تفرضه طبيعة التشغيل من مسؤوليات مستمرة؟

هل بحثتِ في مخاطر التعرض المحتمل للغازات الضارة، وفي متطلبات السلامة والصحة المهنية، والإجراءات التي تتخذها المؤسسات للحد من الحوادث والمخاطر المرتبطة بالعمل؟

إذا لم تبحثي في هذه الأسئلة، فبأي أساس مهني أصدرتِ حكمك على مرتبات قطاع كامل؟

أنا لا أقول إن كل وظيفة في قطاع البترول متساوية في مخاطرها، ولا إن المرتبات لا يجوز مناقشتها أو تقييمها. بل أقول إن مناقشة الأجور بصورة موضوعية تتطلب بيانات موثقة، وفهمًا لطبيعة الوظائف، ومراعاة للفروق في المسؤوليات وظروف العمل.

كما أنني لا أنتقص من العاملين في أي قطاع آخر؛ فلكل مهنة تحدياتها، ولكل عامل حقه في التقدير. لكن احترام المهن لا يتحقق بإطلاق أحكام عامة على أصحابها، وإنما بفهم واقعهم قبل الكتابة عنهم.

يا أستاذة مني، التحقيق الاستقصائي ليس ترفًا صحفيًا، بل أحد الاختبارات الحقيقية لقدرة الصحفي على تجاوز الانطباعات والوصول إلى الحقائق.

ولو كنتِ قد بذلتِ جهدًا في زيارة مواقع العمل، والاستماع إلى العاملين، وفحص البيانات، ومقارنة طبيعة المسؤوليات، لكان بإمكانك تقديم مادة صحفية تستحق النقاش، سواء انتهت إلى تأييد مستويات الأجور أو انتقادها.

لكن الفرق كبير بين أن تناقشي ملفًا اقتصاديًا واجتماعيًا معقدًا بأدوات الصحافة، وبين أن تختزليه في وصف لا تكفيه الانطباعات الشخصية لإثبات صحته.

وبصفتي صحفيًا عمل لسنوات طويلة في المجال الإعلامي والعسكري، أؤمن بأن أول واجبات الصحفي أن يعرف حدود ما يعرفه، وأن يبحث عما يجهله، وألا يسمح لرأيه المسبق بأن يحل محل التحقيق.

لذلك، فإن السؤال ليس ما إذا كنتِ صحفية أم تحت التدريب؛ فالتدريب مرحلة محترمة يمر بها كل من يسعى إلى تطوير نفسه. السؤال الحقيقي هو: هل التزمتِ في تناول هذا الملف بأبسط قواعد البحث والتحقق والإنصاف؟

فاللقب يمكن أن يُكتب في بطاقة التعريف، أما المهنية فلا تثبتها إلا الممارسة.

والصحفي الذي يريد أن يحاكم دخول الآخرين، عليه أولًا أن يقدم للقارئ تحقيقًا يستحق أن يُقرأ، لا حكمًا يستحق أن يُراجع.

هذه ليست خصومة شخصية، ولا اعتراضًا على حقك في النقد؛ إنها مطالبة واضحة بأن يكون النقد نفسه مهنيًا، وأن تُعامل الحقائق بالجدية التي تستحقها.

لأن الصحافة ليست أن تتحدثي عن الناس، بل أن تعرفي عنهم ما يكفي قبل أن تتحدثي.

  • Related Posts

    وزير الرياضة يؤكد ضرورة وضع رؤية واضحة لتطوير المنشآت الملحقة باستاد القاهرة 

    كتبت : منى حافظ  أجرى اليوم الأربعاء جوهر نبيل، وزير الشباب والرياضة، جولة تفقدية مفاجئة بالمكونات والمنشآت الرياضية الملحقة بهيئة استاد القاهرة الدولي، لمتابعة حالتها والوقوف على مستوى جاهزيتها.  …

    قراءة في حديث الرئيس: نحو ترسيخ قواعد مؤسسية لتداول السلطة

    بقلم: العميد دكتور محمد حجاب *الخبير السياسي والعسكري*   أعاد حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال احتفال أكاديمية الشرطة بيوم الخريجين، في 15 أكتوبر 2026، طرح قضية تتجاوز حدود التصريحات…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *