بقلم / عميد دكتور ..محمد حجاب
مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية وآفاق إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط
أعداد العميد دكتور محمد حجاب الخبير السياسي والعسكري
الملخص التنفيذي
• تعكس مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية إدراكًا متبادلًا لمحدودية القدرة على تحقيق حسم استراتيجي عبر القوة العسكرية.
• أسهمت اعتبارات أمن الطاقة العالمي وأمن الملاحة البحرية في دفع الأطراف نحو التهدئة.
• لا تمثل المذكرة تسوية نهائية للصراع، بل إطارًا لإدارته ومنع تحوله إلى حرب إقليمية شاملة.
• يبقى الملف النووي والعقوبات الاقتصادية العقبتين الرئيسيتين أمام بناء الثقة بين واشنطن وطهران.
• يمثل الموقف الإسرائيلي المتغير الأكثر تأثيرًا على فرص استدامة التفاهم.
• تؤثر مواقف القوى الإقليمية العربية، ولا سيما دول الخليج العربي ومصر، في فرص نجاح التهدئة واستمرارها.
• يرجح استمرار نمط “التهدئة الهشة” خلال المدى المنظور ما لم يحدث اختراق سياسي جوهري في الملفات الخلافية.
الكلمات المفتاحية: الولايات المتحدة، إيران، إسرائيل، الردع المتبادل، الأمن الإقليمي، مضيق هرمز، البرنامج النووي الإيراني، أمن الملاحة البحرية.
خلفية التفاهم وسياقه الاستراتيجي
جاءت مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية في أعقاب مرحلة من التصعيد العسكري غير المسبوق بين الطرفين، تداخلت فيها العمليات العسكرية المباشرة مع الحسابات الإقليمية والدولية المرتبطة بأمن الطاقة والممرات البحرية والبرنامج النووي الإيراني. وتمثل هذه المذكرة محاولة لإعادة ضبط قواعد الاشتباك والانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة الصراع، في ظل إدراك متزايد بأن استمرار المواجهة العسكرية يحمل مخاطر تفوق المكاسب المحتملة لكل الأطراف.
وعلى الرغم من أن التفاهم لم يرقَ إلى مستوى اتفاق سياسي شامل، فإن الخطوط العريضة التي استند إليها تضمنت جملة من الترتيبات السياسية والأمنية غير المعلنة بصورة كاملة، تمحورت حول خفض مستويات التصعيد العسكري المباشر، والحد من استهداف المصالح الحيوية للطرفين، وضمان استمرار أمن الملاحة في الممرات البحرية الاستراتيجية، إلى جانب فتح قنوات اتصال غير مباشرة لمعالجة الأزمات الطارئة ومنع الانزلاق نحو مواجهة إقليمية واسعة النطاق. كما تضمن التفاهم مؤشرات أولية على استعداد متبادل لمناقشة ملفات أوسع تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية ضمن أطر تفاوضية لاحقة ( ).
كما جاء التفاهم في لحظة استراتيجية اتسمت بتزايد الضغوط الاقتصادية، وارتفاع مخاطر تعطيل التجارة العالمية، وتنامي القلق الدولي من احتمالات اتساع نطاق الحرب. كما تزامن مع إدراك متبادل بأن البيئة الإقليمية لم تعد تسمح بمغامرات عسكرية طويلة الأمد دون تكلفة استراتيجية مرتفعة.
كما ارتبط توقيت التفاهم بمتغيرات دولية أوسع، أبرزها استمرار حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، وتزايد حساسية أسواق الطاقة تجاه أي اضطراب أمني في الخليج العربي والبحر الأحمر، الأمر الذي منح التهدئة بعدًا دوليًا يتجاوز نطاق العلاقات الثنائية بين واشنطن وطهران.
أولاً: دوافع ومحفزات الانتقال من المواجهة إلى التفاهم البيني
لم يكن الانتقال إلى التفاهم نتاج تحول جذري في مواقف الأطراف، بقدر ما كان انعكاسًا لحدود ما حققته القوة العسكرية خلال مرحلة المواجهة.
فمن جهة، لم تتمكن الولايات المتحدة وإسرائيل من تحقيق هدف القضاء الكامل على القدرات النووية أو الصاروخية الإيرانية، ومن جهة أخرى لم تستطع إيران فرض معادلة ردع جديدة تؤدي إلى تغيير جوهري في بنية التوازنات الإقليمية.
وقد أفرزت هذه المعادلة ما يعرف في أدبيات إدارة الصراع بـ”الإنهاك المتبادل المؤلم”، حيث تصبح كلفة استمرار الحرب أعلى من العائد المتوقع منها، الأمر الذي يدفع الأطراف إلى البحث عن تسويات مؤقتة أو تفاهمات مرحلية ( ).
كما كشفت الحرب عن حقيقة مفادها أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية، وأن الردع المتبادل ما زال يشكل الإطار الحاكم للعلاقة بين الطرفين.
وفي السياق ذاته، أسهمت مواقف القوى الإقليمية العربية، ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي ومصر، في تعزيز الاتجاه نحو التهدئة؛ إذ ترتبط مصالح هذه الدول بصورة مباشرة باستقرار أسواق الطاقة وأمن الممرات البحرية في الخليج العربي والبحر الأحمر. وقد دفعت المخاوف من اتساع رقعة الصراع إلى تشجيع المسارات الدبلوماسية وخفض احتمالات الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة قد تهدد الاستقرار الاقتصادي والأمني في المنطقة بأسرها ( ).
ثانياً: أمن الممرات البحرية ومضيق هرمز كضابط لإيقاع التهدئة
برز مضيق هرمز خلال الأزمة باعتباره أحد أهم محددات القرار الاستراتيجي لدى الأطراف كافة.
فإيران تدرك أن قدرتها على التأثير في حركة الملاحة تمنحها ورقة ضغط استراتيجية تتجاوز قدراتها العسكرية التقليدية، بينما تنظر الولايات المتحدة والدول الصناعية الكبرى إلى حرية الملاحة باعتبارها مصلحة حيوية ترتبط مباشرة باستقرار الاقتصاد العالمي.
وقد أثبتت الأزمة أن أي تهديد للمضيق أو للممرات البحرية في الخليج العربي والبحر الأحمر يمكن أن ينعكس بصورة فورية على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، الأمر الذي جعل أمن الممرات البحرية أحد المحركات الرئيسية للتفاهم الحالي.
كما أن أمن البحر الأحمر اكتسب أهمية متزايدة خلال السنوات الأخيرة نتيجة ارتباطه المباشر بحركة التجارة العالمية وقناة السويس، وهو ما جعل استقرار هذا الممر جزءًا لا يتجزأ من معادلة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط ( ).
ثالثاً: معضلات بناء الثقة المعقدة (الملف النووي مقابل شبكة العقوبات)
يمثل الملف النووي والعقوبات الاقتصادية جوهر المعضلة التفاوضية بين واشنطن وطهران.
فالولايات المتحدة تسعى إلى فرض قيود طويلة الأمد على قدرات إيران النووية وضمان خضوعها لرقابة دولية صارمة، بينما ترى طهران أن أي التزام إضافي يجب أن يقابله رفع ملموس للعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.
وتتفاقم الأزمة نتيجة غياب الثقة المتبادلة، إذ تخشى إيران من تكرار الانسحاب الأمريكي من أي تفاهم مستقبلي، في حين تخشى واشنطن من استغلال طهران لأي تخفيف للعقوبات في تعزيز قدراتها العسكرية والإقليمية ( ).
ومن ثم، فإن مستقبل التفاهم سيظل مرهونًا بقدرة الطرفين على إيجاد صيغة توازن بين متطلبات الرقابة النووية ومطالب رفع العقوبات.
كما أن تجربة الاتفاق النووي لعام 2015 وما أعقبها من انسحاب أمريكي أحادي عام 2018 ما تزال تلقي بظلالها على أي مفاوضات مستقبلية، وهو ما يفسر الحذر الشديد الذي تبديه طهران تجاه أي ترتيبات طويلة الأمد لا تتضمن ضمانات واضحة ومستدامة.
رابعاً: كوابح الاستدامة الإقليمية (الموقف الإسرائيلي والخيارات البديلة(
يمثل الموقف الإسرائيلي المتغير الأكثر حساسية وتأثيرًا في مستقبل التفاهم.
فبينما تنظر واشنطن إلى التهدئة باعتبارها وسيلة لاحتواء الأزمة ومنع اتساع نطاق الحرب، لا تزال إسرائيل تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني باعتباره تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد.
وعليه، فإن أي تقدم في المسار التفاوضي سيظل معرضًا للتأثر بالموقف الإسرائيلي، سواء عبر الضغوط السياسية على الإدارة الأمريكية أو من خلال عمليات أمنية أو عسكرية محدودة تهدف إلى عرقلة مسار التفاهم.
كما أن إسرائيل تحتفظ بخيارات بديلة تتراوح بين تكثيف الضغوط الدبلوماسية، وتوسيع العمليات الاستخباراتية، أو الدفع نحو إعادة تشديد العقوبات الدولية.
ولا يقتصر تأثير التفاهم على الأطراف الثلاثة الرئيسة فحسب، بل يمتد إلى مجمل البيئة الإقليمية. فدول الخليج العربي تنظر إلى أي تفاهم أمريكي–إيراني من زاويتين متوازيتين؛ الأولى تتعلق بخفض مخاطر المواجهة العسكرية المباشرة وتأمين المنشآت النفطية وحركة التجارة، والثانية ترتبط بمخاوف محتملة من أن يؤدي أي تقارب ثنائي إلى إعادة توزيع موازين القوى الإقليمية بصورة قد تؤثر في ترتيبات الأمن الخليجي. أما مصر، فترتبط مصالحها بصورة مباشرة باستقرار البحر الأحمر وقناة السويس، الأمر الذي يجعلها معنية باستمرار التهدئة ومنع انتقال التوترات إلى الممرات البحرية الحيوية ( ).
خامساً: السيناريوهات المستقبلية لآفاق التوازنات الإقليمية
1- السيناريو الأول: مأسسة التفاهم والتحول نحو “التهدئة الشاملة”
يقوم هذا السيناريو على نجاح الأطراف الفاعلة في تحويل التفاهم المؤقت الحالي إلى مسار تفاوضي مستدام ومأسس، يسفر على المدى المتوسط عن اتفاق شامل يغطي الملف النووي، ورفع العقوبات الاقتصادية، ووضع ترتيبات أمنية راسخة للملاحة الإقليمية. وتتمثل أبرز مؤشرات تحقق هذا المسار في استمرار ونمو القنوات الدبلوماسية الرسمية والمباشرة بين واشنطن وطهران، وبدء رفع تدريجي ونوعي لبعض حزم العقوبات الحيوية، وهو ما سينعكس ميدانياً في حدوث انخفاض ملموس وثابت في وتيرة التصعيد العسكري بالوكالة، وانخراط القوى الإقليمية المختلفة في ترتيبات أمنية جماعية داعمة للاستقرار الإقليمي.
2- السيناريو الثاني: الانهيار السريع والعودة إلى “إدارة الحرب”
يفترض هذا السيناريو انهيار التفاهم الحاد بشكل مفاجئ نتيجة خرق ميداني كبير وغير محسوب في إحدى جبهات النزاع، أو قيام إسرائيل بتنفيذ ضربة عسكرية إجهاضية منفردة، أو وصول المفاوضات التقنية حول البنود النووية إلى أفق مسدود لا يمكن تجاوزه. وترتبط فرصة تحقق هذا السيناريو بمؤشرات واضحة، أبرزها استئناف إيران لنسب تخصيب يورانيوم عالية ومقلقة دولياً، وتصاعد العمليات العسكرية النوعية والاغتيالات الاستخباراتية، مع ارتفاع حدة التوتر الأمني المباشر في مضيق هرمز والبحر الأحمر، مما سيؤدي حتماً إلى إعادة تشديد العقوبات الأمريكية وتراجع أو انقطاع قنوات الاتصال الدبلوماسي الخلفية.
3- السيناريو الثالث: التهدئة الهشة والمراوحة (السيناريو الأكثر ترجيحاً)
يقوم هذا السيناريو على بقاء مذكرة التفاهم كمظلة أمنية وآلية تفاوضية مستمرة لمنع الانفجار الشامل وحرب الإقليم، دون النجاح في الوقت ذاته في حسم الملفات الخلافية الجوهرية كالبرنامج النووي، العقوبات، ونفوذ الفاعلين من غير الدول، وهو ما يعني بقاء المنطقة في مربع “لا حرب ولا سلم شامل”. وتتمثل مؤشرات استمرار هذا النمط الواقعي في تواصل الجولات التفاوضية دون تحقيق اختراقات كبرى أو صفقات نهائية، مع بقاء الهيكل الأساسي للعقوبات الأمريكية مفروضاً، بالتوازي مع الحفاظ على معادلة الردع المتبادل المحكوم بضبط النفس ميدانياً، واستمرار فاعلية القنوات الخلفية لإدارة الأزمات الطارئة ومنع خروجها عن السيطرة.
سادساً: التوصيات الاستراتيجية
في ضوء طبيعة التفاهم الحالي واحتمالات تطوره خلال المدى القريب (2025–2028)، يمكن صياغة مجموعة من التوصيات العملية الموجهة إلى الدول العربية المطلة على الخليج العربي والبحر الأحمر، وإلى المؤسسات الإقليمية المعنية بالأمن والاستقرار الإقليمي، وذلك على النحو الآتي:
1- دعم مسارات خفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران خلال السنوات الثلاث المقبلة بما يسهم في تقليص احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية واسعة النطاق.
2- تعزيز التنسيق الأمني والبحري بين الدول العربية المطلة على الخليج العربي والبحر الأحمر لحماية الممرات البحرية وضمان استمرارية حركة التجارة والطاقة.
3- تطوير آليات إنذار مبكر إقليمية لرصد مؤشرات التصعيد العسكري المحتمل في الخليج العربي ومضيق هرمز والبحر الأحمر.
4- تشجيع بناء إجراءات ثقة تدريجية بين الأطراف المتصارعة في المجالات المرتبطة بأمن الملاحة والتعاون الإنساني وإدارة الأزمات.
5- دعم المقاربات الإقليمية الجماعية لأمن الخليج من خلال الأطر المؤسسية القائمة بما يقلل من منطق الاستقطاب الحاد.
6- متابعة تأثير الموقف الإسرائيلي على مسار التفاهم باعتباره المتغير الأكثر قدرة على إعادة إنتاج التصعيد.
7- الاستعداد المؤسسي والاقتصادي لسيناريو “التهدئة الهشة” باعتباره السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال الفترة (2025–2028).
8- تشجيع الحوار العربي–الإيراني في الملفات ذات الاهتمام المشترك، ولا سيما أمن الملاحة البحرية وأمن الطاقة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
الهوامش
1- معمر فيصل. “مذكرة التفاهم الراهنة، هل هي على غرار برنامج ‘النفط مقابل الغذاء’؟.” مركز الروابط للدراسات الاستراتيجية والسياسية. 24 يونيو 2026. https://rawabetcenter.com/archives/180788.
2- William Zartman, “The Timing of Peace Initiatives: Hurting Stalemates and Ripe Moments,” Global Review of Ethnopolitics 1, no. 1 (September 2001): 8–18, accessed via The Hague Institute for Global Justice.
3- اجتماع رباعي بالقاهرة يدعو واشنطن وطهران لمراعاة مخاوف دول المنطقة،” الجزيرة نت، 21 يونيو 2026، تم الاطلاع عليه عبر الجزيرة نت.
4- شذا خليل، “النفط يشتعل والاقتصاد العالمي يرتجف.. كيف تدفع حرب إيران وأمريكا العالم نحو أزمة جديدة؟،” مركز الروابط للدراسات الاستراتيجية والسياسية، 28 مايو/أيار 2026، تم الاطلاع عليه عبر مركز الروابط للدراسات الاستراتيجية والسياسية.
5- مذكرة إسلام أباد: من إدارة الحرب إلى إدارة التفاوض بين واشنطن وطهران،” المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 21 يونيو/حزيران 2026، تم الاطلاع عليه عبر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
6- الاتفاق الأميركي-الإيراني وإعادة التفكير في الأمن الخليجي،” مركز الخليج للأبحاث (GRC)، 31 مايو 2026، تم الاطلاع عليه عبر مركز الخليج للأبحاث.





