بقلم / محاسب محمود مسعود
خبير مال وأعمال
لم يعد الإعلام في العصر الحديث مجرد وسيلة لنقل الأخبار والمعلومات من مصدر إلى جمهور، بل أصبح أحد أهم الأدوات المؤثرة في تشكيل وعي المجتمع وتوجيه اهتماماته وصناعة مواقفه تجاه القضايا والأحداث المختلفة.
فالكلمة التي ينشرها الصحفي، والصورة التي يعرضها الإعلامي، والعنوان الذي تختاره المؤسسة الإعلامية، جميعها عناصر قادرة على التأثير في طريقة فهم المواطن للواقع، بل وفي قدرته على التمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين المعلومة والتضليل.
الإعلام.. عين المجتمع
يمثل الإعلام عينًا يرى من خلالها المجتمع ما يحدث حوله. ومن هنا تأتي مسؤوليته في تقديم المعلومات الدقيقة، ووضع الأحداث في سياقها الصحيح، وإتاحة الفرصة أمام المواطن لفهم القضايا بدلًا من الاكتفاء بعرضها.
فالمجتمع الواعي لا يتكون فقط من مواطن يمتلك المعلومات، وإنما من مواطن يستطيع تحليلها وفهم خلفياتها والتعامل معها بصورة صحيحة.
وهنا يتحول الإعلام من مجرد ناقل للحدث إلى أداة لبناء الوعي.
مواجهة الشائعات والتضليل
مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وسرعة تداول المحتوى، أصبحت الشائعة قادرة على الوصول إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق.
ولم تعد مواجهة الشائعات مسؤولية الجهات الرسمية وحدها، وإنما أصبحت المؤسسات الإعلامية المهنية مطالبة بأن تكون مصدرًا موثوقًا للمعلومة، وأن تسارع إلى التحقق من الأخبار، وكشف المعلومات المضللة، وتقديم الحقائق بصورة واضحة.
فغياب الإعلام المهني يترك مساحة واسعة للمحتوى المجهول والمعلومات غير الموثوقة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى حالة من الارتباك المجتمعي وفقدان الثقة.
الإعلام والتعليم المجتمعي
لا يقتصر دور الإعلام في بناء الوعي على الأخبار السياسية والاقتصادية، وإنما يمتد إلى مختلف تفاصيل حياة المواطن.
فالإعلام يستطيع أن يساهم في نشر الوعي الصحي، والبيئي، والقانوني، والاقتصادي، والتكنولوجي، وأن يشرح للمواطن حقوقه وواجباته، وأن يقدم له المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا.
كما يستطيع الإعلام أن يفتح ملفات القضايا المجتمعية المهمة، ويقدم نماذج إيجابية، ويمنح مساحة للأفكار والحلول بدلًا من التركيز الدائم على المشكلة وحدها.
من إعلام نقل المعلومة إلى إعلام بناء المعرفة
التحدي الحقيقي الذي يواجه الإعلام اليوم هو الانتقال من مرحلة «نقل المعلومة» إلى مرحلة «بناء المعرفة».
فالمعلومة وحدها قد لا تكون كافية. المواطن يحتاج إلى معرفة مصدرها، وفهم سياقها، ومعرفة تأثيرها، والقدرة على تقييمها.
وهنا تظهر أهمية الإعلام المتخصص القادر على تفسير الأحداث، والاستعانة بالخبراء، وتبسيط المعلومات المعقدة، وتقديم محتوى يساعد الجمهور على التفكير بدلًا من دفعه إلى تبني موقف جاهز.
الإعلام الرقمي.. مسؤولية مضاعفة
أحدث الإعلام الرقمي تحولًا جذريًا في العلاقة بين الإعلام والجمهور. فلم يعد المواطن مجرد متلقٍ للمحتوى، بل أصبح منتجًا وناشرًا ومشاركًا في صناعة وانتشار المعلومات.
وهذا التطور خلق فرصًا هائلة لنشر المعرفة، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام انتشار الأخبار الكاذبة والمحتوى المضلل وخطاب الكراهية والمعلومات المبتورة.
لذلك أصبح من الضروري تطوير مفهوم جديد للإعلام يقوم على التحقق الرقمي، وفهم آليات انتشار المحتوى، وتحليل الحسابات والمنصات، واستخدام أدوات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في التحقق من الصور والفيديوهات والمعلومات.
الصحفي.. خط الدفاع الأول عن الوعي
يبقى الصحفي المهني أحد أهم عناصر منظومة حماية الوعي المجتمعي.
فالمهنية لا تعني فقط سرعة نشر الخبر، وإنما تعني التحقق، والدقة، والموضوعية، واحترام عقل الجمهور، والتمييز بين الخبر والرأي، وعدم الانسياق وراء المحتوى الذي يحقق المشاهدة على حساب الحقيقة.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، أصبحت مهمة الصحفي أكثر تعقيدًا؛ لأن الصورة لم تعد دليلًا كافيًا، والفيديو لم يعد بالضرورة حقيقة، والصوت يمكن اصطناعه، والمحتوى يمكن إنتاجه خلال ثوانٍ.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى صحفي جديد يمتلك أدوات الإعلام التقليدي والرقمي معًا، ويمتلك كذلك القدرة على التحقق والتحليل وفهم التكنولوجيا.
عندما يفقد الإعلام دوره
عندما يتراجع دور الإعلام المهني في توعية المجتمع، لا تختفي الحاجة إلى المعلومات، وإنما يبحث الجمهور عن مصادر بديلة.
وقد تكون هذه المصادر غير مؤهلة أو مجهولة أو ذات أهداف تتعارض مع مصالح المجتمع.
لذلك فإن قوة الإعلام لا تقاس فقط بعدد المشاهدات أو المتابعين، وإنما بمدى قدرته على بناء الثقة، وتصحيح المعلومات، ورفع مستوى المعرفة العامة.
الإعلام شريك في بناء المستقبل
إن بناء مجتمع واعٍ لا يمكن أن يتحقق بالقرارات وحدها، ولا بالتعليم وحده، ولا بالمؤسسات الرسمية وحدها.
إنه مشروع متكامل تشارك فيه الأسرة والمدرسة والجامعة ومؤسسات الدولة والمجتمع المدني، ويأتي الإعلام في قلب هذه المنظومة باعتباره الوسيلة الأكثر قدرة على الوصول إلى ملايين المواطنين والتأثير في طريقة فهمهم للأحداث.
ومن هنا فإن تطوير الإعلام ليس رفاهية، وإنما ضرورة وطنية ومجتمعية.
فالإعلام الذي يحترم عقل المواطن يبني الثقة، والإعلام الذي يقدم المعرفة يبني الوعي، والإعلام الذي يتحقق من المعلومات يحمي المجتمع، والإعلام الذي يفتح المجال للنقاش المسؤول يساهم في بناء مجتمع أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والتحديات.
وفي النهاية، فإن السؤال لم يعد: هل يستطيع الإعلام أن يؤثر في المجتمع؟
بل أصبح السؤال الأهم:
كيف نضمن أن يكون هذا التأثير في اتجاه بناء الوعي، وليس صناعة الجهل؟
وهنا تبدأ المسؤولية الحقيقية للإعلام.



