بقلم / محاسب محمود مسعود
خبير مال وأعمال
تتزايد في الآونة الأخيرة حدة التحركات والتطورات العسكرية في المنطقة، وتتنوع معها الأدوات المستحدثة كالمسيرات والطائرات الموجهة. ومع وقوع بعض الحوادث العابرة أو اختراق مسيرة هنا أو هناك، تحاول بعض الأطراف إعطاء هذه الأحداث حجمًا أكبر من حقيقتها. لكن قراءة المشهد من منظور جيو-سياسي وعسكري دقيق تؤكد حقيقة واحدة: أمن مصر القومي أكبر بكثير من أن تهزه مسيرة أو حادث عابر.
1. الفارق بين “الحادث العابر” و”التهديد الاستراتيجي”
في علم العلوم العسكرية والأمن القومي، هناك فارق جوهري بين الاختراق التكتيكي العابر والتهديد الاستراتيجي المباشر:
-
المسيرات: هي أدوات رخيصة التكلفة تُستخدم غالبًا لإحداث فارق إعلامي أو إرسال رسائل استعراضية، لكنها لا تملك القدرة على تغيير معادلات القوة، ولا على احتلال أرض، ولا على تهديد بنية تحتية لدولة بحجم مصر.
-
الأمن القومي المصري: ينبع من شبكة دفاعية طبقية متكاملة، وقدرات ردع شاملة تجعل من أي تطور من هذا النوع مجرد “هامش تفصيلي” يُتعامل معه ميدانيًا وأمنيًا دون أن يمس جوهر استقرار الدولة.
2. منظومات الدفاع الجوي وتعدد طبقات الحماية
تستند القوات المسلحة المصرية إلى واحدة من أعقد وأقوى شبكات الدفاع الجوي في الشرق الأوسط، والتي تتميز بتنوع مصادرها وطبقاتها (المدايات القريبة، المتوسطة، والبعيدة). تعامل الأجهزة الأمنية والعسكرية مع أي جسم طائر يتم وفق بروتوكولات صارمة تُوازن بين الاحتواء الفوري ومنع التصعيد غير المحسوب، مما يعني أن التعامل مع المسيرات هو مسألة تكتيكية إجرائية بالنسبة للجيش المصري وليس أزمة سيادية.
3. قوة الدولة المصرية: العمق والقدرة الشاملة
تستمد مصر قوتها من مقومات متكاملة تجعل مقياس أمنها القومي عصيًا على التقييم بحدث منفرد:
-
العمق الجغرافي والسكاني: مصر دولة ممتدة ذات جغرافيا واقية ومؤسسات راسخة، لا يمكن لأداة تكنولوجية صغيرة أن تؤثر على حركة الحياة أو اتخاذ القرار فيها.
-
الردع الشامل: القوة المصرية لا تعتمد على ردود الفعل الانفعالية، بل على امتلاك أدوات ردع قاسية تُجبر كافة الأطراف الإقليمية والدولية على حساب خطواتها بدقة قبل التفكير في مساس مباشر بالحدود المصرية.
-
الاستقلالية السياسية: القرارات المصرية تنبع من رؤية استراتيجية ثابتة لحماية الأمن القومي، بعيدًا عن الانجرار إلى فخاخ التصعيد الإعلامي الذي تسعى إليه بعض التنظيمات أو الدول عبر هذه الأدوات.
4. التماسك الداخلي والوعي الشعبي
إن الوعي الجمعي للشعب المصري يدرك تمامًا حجم دولة بحجم مصر وقدرة مؤسساتها العسكرية. محاولات تضخيم حادثة مسيرة لإثارة القلق الداخلي تصطدم دائمًا بثقة المواطن في قدرة قواته المسلحة على إدارة الأزمات بحكمة وقوة في آن واحد.
في النهاية، تظل المسيرات والتقنيات الحديثة مجرد أدوات في حروب الروح المعنوية والإعلام، لكن معادلات القوى الحقيقية تصنعها الدول ذات الجيش النظامي القوي، والعمق التاريخي، والإرادة السياسية الصلبة. ومصر تملك كل هذه المقومات التي تجعل أمنها القومي خطًا أحمر عصيًا على التهديد.





