الثروة التي لا تظهر في الموازنة

بقلم د /حنان نجيب 
“ميزان الثروة المعلوماتية”.. مقترح مصري لقياس القيمة الاقتصادية لبيانات الدولة وتحويلها إلى إيرادات
في الوقت الذي تبحث فيه الدولة عن موارد جديدة لتمويل التنمية دون زيادة الأعباء على المواطنين، قد تكون هناك ثروة ضخمة تمتلكها مصر بالفعل، لكنها لا تظهر في الموازنة العامة ولا يتم قياسها باعتبارها أصلًا اقتصاديًا. هذه الثروة هي البيانات الحكومية.
فكل وزارة وهيئة ومحافظة ومرفق عام ينتج كميات هائلة من البيانات عن الاستثمار والصناعة والتجارة والنقل والزراعة والطاقة والسياحة والعقارات والعمالة والأسواق. وقد أنفقت الدولة موارد مالية وبشرية وتقنية كبيرة على إنتاج هذه البيانات وجمعها وتحديثها وحمايتها، إلا أن التعامل معها لا يزال في الغالب باعتبارها أداة إدارية، وليس باعتبارها أصلًا اقتصاديًا غير ملموس قادرًا على إنتاج قيمة وإيرادات.
ومن هنا يأتي مقترح إنشاء “الحساب الوطني للقيمة الاقتصادية للبيانات الحكومية”، وما يمكن أن يتطور عنه إلى “ميزان الثروة المعلوماتية المصرية”، باعتباره إطارًا مقترحًا للقياس والتقييم الاقتصادي لأصول البيانات الحكومية، وليس بديلًا عن المعالجة المحاسبية التقليدية للأصول. ويهدف هذا الإطار إلى تقديم صورة سنوية عن قيمة أصول البيانات التي تمتلكها الدولة، وتكلفة إدارتها، والعائد الناتج عنها، والقيمة الاقتصادية التي يمكن أن تولدها، إضافة إلى قيمة الفرص التي قد تفقدها الدولة بسبب نقص البيانات أو عدم ترابطها.
ولا يعني المقترح بيع بيانات المواطنين أو إتاحة المعلومات الشخصية والحساسة، وإنما استخدام البيانات الحكومية المجمعة والمجهلة وغير الحساسة لإنتاج خدمات معرفية ذات قيمة. فالبيانات الخام يمكن إتاحتها وفق الضوابط القانونية، بينما يتم تقديم خدمات تحليلية متقدمة بمقابل، مثل الخرائط الاستثمارية، وتحليل الأسواق، ودراسات اختيار مواقع المصانع، وتحليل سلاسل الإمداد، ومؤشرات الطلب والفرص التصديرية.
وهنا يبدأ الابتكار الحقيقي: الدولة لا تبيع البيانات، وإنما تبيع القيمة التي تنتج من البيانات.
ولتنفيذ ذلك، يمكن إنشاء “السجل الوطني لأصول البيانات الحكومية” لحصر قواعد البيانات لدى الوزارات والهيئات والمحافظات، وتحديد مالك كل قاعدة، وتكلفة إنتاجها وتحديثها، وجودتها، ومعدل تحديثها، واستخداماتها المحتملة. كما يمكن منح كل قاعدة “جواز سفر للبيانات” يوضح مصدرها وتاريخ تحديثها ودرجة دقتها وإمكانات إعادة استخدامها، بما يعزز الثقة في البيانات ويرفع قيمتها الاقتصادية.
لكن السؤال الأهم هو: كم جنيهًا يمكن أن تولده هذه البيانات؟ يمكن إنشاء منصة وطنية للخدمات التحليلية الاقتصادية تقدم خدمات مدفوعة للمستثمرين والشركات والمؤسسات البحثية. ولأغراض بناء نموذج مالي أولي، إذا استخدم المنصة 5 آلاف مؤسسة بمتوسط اشتراك سنوي قدره 30 ألف جنيه، فإن الإيرادات تبلغ 150 مليون جنيه سنويًا. وإذا أضيفت ألف دراسة تحليلية متخصصة بمتوسط 100 ألف جنيه للدراسة، يمكن أن تضيف 100 مليون جنيه، ليصل السيناريو الأول إلى نحو 250 مليون جنيه سنويًا.
وفي سيناريو متوسط، يمكن أن تقترب الإيرادات من 800 مليون جنيه سنويًا، بينما قد يتجاوز المورد مليار جنيه في سيناريو طموح، وفقًا لحجم قاعدة المستخدمين ونوعية الخدمات وأسعارها. وهذه أرقام افتراضية لبناء نموذج أولي وليست توقعات رسمية، وتحتاج إلى دراسة سوق متخصصة للتحقق من حجم الطلب والأسعار الفعلية.
لكن الإيرادات المباشرة ليست كل شيء؛ فالقيمة الأكبر قد تأتي من القرارات الاقتصادية التي تصبح أكثر دقة بسبب البيانات. ولذلك يمكن إنشاء “عائد البيانات الحكومية – Government Data Return” لقياس القيمة الاقتصادية المتحققة من استخدام البيانات مقارنة بتكلفة إنتاجها وإدارتها، بما يشمل الوفر الحكومي، والاستثمارات التي ساعدت البيانات على جذبها، والتكاليف التي تم تجنبها، وتحسين كفاءة تخصيص الموارد.
أما الابتكار الأهم فهو قياس الجانب الآخر: كم تخسر مصر بسبب البيانات التي لا تمتلكها أو لا تستطيع الربط بينها؟ ومن هنا يظهر مفهوم “فجوة القيمة المعلوماتية”، أي تقدير القيمة الاقتصادية للفرص التي لم يتم اكتشافها بسبب نقص البيانات أو ضعف جودتها أو عدم تكاملها. فقد توجد استثمارات أو فرص تصديرية أو طاقات إنتاجية غير مستغلة لا تصل إليها الدولة في الوقت المناسب بسبب فجوات المعلومات.
ويمكن أيضًا إنشاء “مؤشر الذكاء الاقتصادي المحلي” للمحافظات، يربط بيانات العمالة والطاقة والنقل والبنية الأساسية والإنتاج والأسواق والتصدير، بهدف تحديد المناطق والقطاعات التي تمتلك أعلى فرص استثمارية غير مستغلة. وبذلك تنتقل الحكومة من انتظار المستثمر إلى اكتشاف الفرصة الاستثمارية وتقديمها للمستثمر.
ولضمان استدامة المشروع، يمكن إنشاء “صندوق الثروة المعلوماتية”وإعادة تخصيص جزء من الإيرادات لتحديث قواعد البيانات وربطها وتطوير الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. فإذا تحقق إيراد افتراضي قدره 800 مليون جنيه، وتم تخصيص 20% لإعادة الاستثمار، فسيتم توجيه 160 مليون جنيه سنويًا لتطوير أصل البيانات نفسه.
وبذلك تتحول البيانات إلى دورة إنتاج للقيمة؛ فكلما تحسنت جودتها زادت دقة التحليلات والقرارات، وارتفعت قدرتها على جذب الاستثمار وتوليد الإيرادات، بما يسمح بإعادة استثمار جزء من هذه الإيرادات في تطوير البيانات نفسها.
والميزة الأهم أن هذا المقترح لا يحتاج إلى فرض ضريبة جديدة أو تحميل المواطن تكلفة إضافية، وإنما يقوم على تعظيم العائد من أصل تمتلكه الدولة بالفعل.
وفي النهاية، يمكن إصدار “تقرير الثروة المعلوماتية المصرية” سنويًا، يتضمن قيمة أصول البيانات، وتكلفة إدارتها، والإيرادات التي حققتها، والقيمة الاقتصادية التي ساهمت في خلقها، وتكلفة فجوات البيانات.
فالثروة التي لا تظهر في الموازنة قد لا تكون تحت الأرض، بل قد تكون داخل خوادم الدولة.
والسؤال الذي يستحق أن يبدأ به هذا المشروع ليس: هل تمتلك مصر بيانات كافية؟
وإنما: كم مليار جنيه من القيمة الاقتصادية موجودة بالفعل داخل بيانات الدولة، ولم نحسبه بعد؟

  • Related Posts

    الإعلام وصناعة الوعي.. مسؤولية تتجاوز نقل الخبر

    بقلم / محاسب محمود مسعود خبير مال وأعمال لم يعد الإعلام في العصر الحديث مجرد وسيلة لنقل الأخبار والمعلومات من مصدر إلى جمهور، بل أصبح أحد أهم الأدوات المؤثرة في…

    خط محمول باسمك دون علمك.. هل يكفي إلغاؤه أم يحق لك التعويض؟

    بقلم المستشار/ خالد السيد  أن تكتشف خط محمول مسجلًا برقمك القومي دون أن تطلبه أو تتعاقد عليه، فهذه ليست مسألة فنية تنتهي بإلغاء الشريحة. نحن أمام واقعة تستوجب معرفة كيف…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *