بقلم / أحمد الشرقاوي
النيل ليس ورقة ضغط.. ومصر أمام اختبار جديد في مواجهة السدود الإثيوبية
لم تعد أزمة سد النهضة مجرد خلاف بين مصر وإثيوبيا حول مشروع لتوليد الكهرباء، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لمفهوم الأمن المائي في منطقة حوض النيل، خصوصًا مع تصاعد الحديث عن خطط إثيوبية لإنشاء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق، بعد سنوات من الأزمة المرتبطة بسد النهضة.
والأكثر إثارة للقلق ليس مجرد فكرة بناء سدود جديدة، وإنما التصريحات التي خرجت مؤخرًا من الجانب الإثيوبي والتي حمل بعضها حديثًا عن قدرة إثيوبيا على التحكم في تدفقات المياه المتجهة إلى دول المصب.
وبحسب تقارير منشورة، فإن السدود الثلاثة المقترحة هي «ماندويا» و«كرادوبي» و«بيكو آبو»، وتقع في مناطق أعلى من موقع سد النهضة. كما تحدثت تقارير عن طموح إثيوبي لزيادة القدرة التخزينية بصورة كبيرة.
مصر لا تعارض التنمية.. لكنها ترفض التحكم في شريان الحياة
الموقف المصري المعلن لم يتغير: مصر لا ترفض حق إثيوبيا في التنمية أو إنتاج الكهرباء، لكنها ترفض أن تتحول التنمية إلى وسيلة للإضرار بدولتي المصب.
وهذا ما عبّر عنه وزير الخارجية المصري بوضوح عندما أكد أن لإثيوبيا حق التنمية، لكن لمصر حق الحياة، مشددًا على رفض الإدارة الأحادية لسد النهضة دون تنسيق مع مصر والسودان.
وهنا تكمن جوهر الأزمة.
فمصر دولة تعتمد بصورة أساسية على نهر النيل، ولذلك فإن أي توسع في إنشاء منشآت تتحكم في تدفقات النهر لا يمكن النظر إليه باعتباره شأنًا داخليًا إثيوبيًا فقط، خصوصًا إذا تم من دون اتفاق واضح وملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل والتعامل مع فترات الجفاف والسنوات شحيحة الأمطار.
ماذا يمكن أن تفعل القاهرة؟
أعتقد أن الإدارة المصرية ستتحرك على أكثر من مسار في الوقت نفسه.
أول هذه المسارات هو الدبلوماسية والضغط الدولي، لأن القاهرة تريد تثبيت حقيقة أن قضية مياه النيل ليست قضية سياسية عابرة، وإنما قضية أمن قومي وحياة أكثر من مائة مليون مصري.
وثانيها هو التنسيق مع السودان، لأن الخرطوم والقاهرة هما دولتا المصب الأكثر تأثرًا بأي تغييرات كبيرة في إدارة النيل الأزرق.
أما المسار الثالث فهو التحرك الإقليمي والدولي لمنع تحول الأمر إلى واقع دائم. فالمشكلة لا ينبغي أن تكون: هل تستطيع إثيوبيا بناء سد جديد أم لا؟ وإنما: هل يجوز لدولة على مجرى نهر دولي أن تتخذ إجراءات منفردة يمكن أن تؤثر بصورة جوهرية في دول المصب؟
هل يمكن أن تصل الأمور إلى مواجهة عسكرية؟
هنا يجب أن نكون واقعيين.
الحرب ليست قرارًا سهلًا، ولا أعتقد أن مصر ستتعامل معها باعتبارها الخيار الأول. فالقاهرة تدرك جيدًا حجم التداعيات الإقليمية والدولية لأي مواجهة عسكرية.
لكن في الوقت نفسه، فإن وجود خيار الردع القوي يظل جزءًا من حسابات أي دولة عندما يتعلق الأمر بأمنها القومي.
لذلك فإن السيناريو الأقرب، في تقديري، هو استمرار الضغط السياسي والدبلوماسي والقانوني، بالتوازي مع رفع مستوى الجاهزية والردع، مع ترك الباب مفتوحًا أمام التفاوض إذا ظهرت إرادة حقيقية لدى إثيوبيا للوصول إلى اتفاق عادل.
الخطر الحقيقي ليس سدًا واحدًا
ربما تكون هذه هي النقطة الأهم.
إذا كان سد النهضة وحده قد فرض على مصر واقعًا جديدًا في إدارة مياه النيل، فإن إنشاء مجموعة أخرى من السدود على النيل الأزرق يمكن أن ينقل الأزمة إلى مرحلة مختلفة تمامًا.
فالقضية لن تصبح وقتها مرتبطة بسد واحد، وإنما بمنظومة كاملة من السدود والخزانات يمكن أن تمنح دولة المنبع قدرة أكبر على التحكم في توقيت وكميات المياه العابرة إلى دول المصب.
وهنا يصبح السؤال المصري أكثر إلحاحًا:
من يدير نهرًا دوليًا؟ وهل يكون ذلك بقرار منفرد من دولة واحدة، أم من خلال قواعد واتفاقات تضمن حقوق جميع دول الحوض؟
مصر أمام اختبار جديد
المطلوب من مصر في المرحلة المقبلة ليس الانفعال، ولا الاكتفاء بالتصريحات، وفي الوقت نفسه ليس التنازل عن حقوقها.
المطلوب هو مزيج من الحكمة والقوة والدبلوماسية والردع.
مصر تستطيع أن تدعم حق إثيوبيا في التنمية، وفي الوقت نفسه تتمسك بحقها في المياه. ويمكن للقاهرة أن تمد يدها للتفاوض، لكن دون أن تقبل أن يصبح التفاوض غطاءً لفرض أمر واقع جديد.
فالنيل بالنسبة لمصر ليس مجرد مورد اقتصادي أو ملف تفاوضي.
النيل حياة.. ومن حق مصر أن تحمي حقها في الحياة.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدبلوماسية المصرية على منع تحول أزمة سد النهضة إلى منظومة أوسع من السيطرة على مياه النيل، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقرار المنطقة ومنع الانزلاق إلى مواجهة لا يريدها أحد.
والرسالة الأهم التي يجب أن تصل إلى الجميع هي أن التنمية حق مشروع، لكن الأمن المائي وحقوق دول المصب ليستا تفصيلًا يمكن تجاوزه بقرار أحادي.





